في ظل تعقيدات وعدم استقرار الاقتصاد العالمي، أظهرت الصين مجدداً مرونة تنموية قوية في عام 2025. ويرتكز هذا الزخم المستقر على دور محوري للانفتاح على العالم الخارجي على أعلى المستويات، والذي تتزايد أهميته باستمرار. وقد استعرض مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي، الذي عُقد في الفترة من 10 إلى 11 ديسمبر 2025، التنمية الاقتصادية خلال العام، وحدد الأهداف المستقبلية: التمسك الراسخ بسياسة الانفتاح وتعزيز التعاون المتبادل المنفعة في مختلف المجالات. وهذا لا يتماشى تماماً مع التوجيهات الاستراتيجية للجلسة العامة الرابعة للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي الصيني فحسب، بل يرسخ أيضاً أساساً متيناً لتشكيل إطار انفتاح جديد على مستوى أعلى خلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة (2026-2030).
يشهد انفتاح الصين على العالم الخارجي تحولاً جذرياً، إذ ينتقل من انفتاح قائم على حركة السلع وعوامل الإنتاج إلى "انفتاح مؤسسي" قائم على القواعد واللوائح والحوكمة والمعايير. ويتمثل هدفه الرئيسي في خلق بيئة مستقرة وشفافة وقابلة للتنبؤ للتجارة والاستثمار الدوليين. وفي هذا السياق، تُعدّ المناطق الحرة والموانئ الحرة التجريبية منصاتٍ لاختبار قواعد الانفتاح الجديدة والابتكارات المؤسسية. ولعلّ أبرز مثال على ذلك هو إطلاق عمليات جمركية مستقلة في جزيرة هاينان في 18 ديسمبر/كانون الأول. فمن خلال تجربة نموذج مرن للغاية للرقابة الجمركية، تُصبح الصين رائدةً في اندماجها ضمن قواعد التجارة والاقتصاد الدولية عالية المستوى. وقد أرست هذه المسيرة، التي وُضعت في السنة الأخيرة من الخطة الخمسية الرابعة عشرة (2021-2025)، الأساس لتعزيز الانفتاح المؤسسي في مجالات أوسع وعلى مستوى أعمق خلال فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة.
لقد ساهمت هذه الابتكارات المؤسسية بشكل فعال في خفض تكاليف المعاملات للشركات، الأمر الذي لم يعزز فقط تنفيذ استراتيجية تنويع السوق وتطوير أشكال جديدة من الأعمال مثل التجارة الإلكترونية عبر الحدود، بل وفر أيضًا دعمًا رئيسيًا لشركات التجارة الخارجية الصينية لمواجهة عدم اليقين الخارجي.
ساهمت البنية المؤسسية المتينة في ضمان مرونة وتنافسية التجارة الخارجية الصينية. ففي الأشهر الثمانية الأولى من عام 2025، نما إجمالي حجم واردات وصادرات الصين من البضائع بنسبة 3.5% على أساس سنوي، محافظةً بذلك على ريادتها العالمية. وقد حققت استراتيجية تنويع الأسواق نتائج ملموسة، حيث نما حجم التجارة مع دول الآسيان بنسبة 9.7% على أساس سنوي، بينما ارتفع حجم التجارة مع الدول الواقعة على طول مبادرة الحزام والطريق بنسبة 5.4%. وفي النصف الأول من عام 2025، تجاوزت حركة الشحن على خطوط السكك الحديدية بين الصين وأوروبا إجمالي حركة الشحن في عام 2024 بأكمله، مما عزز بشكل كبير الربط وسهولة الوصول عبر القارة الأوراسية.
يتجاوز أثر الانفتاح على مستوى عالٍ التجارة الخارجية بكثير. تكمن أهميته الأعمق في كونه، من خلال التوافق مع المعايير الدولية الرفيعة، محفزًا قويًا لتنشيط الطلب المحلي الهائل في الصين. وقد أسهم تنفيذ "خطة عمل 2025 لتحقيق استقرار الاستثمار الأجنبي"، والاستمرار في تقليص قائمة القيود المفروضة على الوصول إلى السوق، وتعزيز بناء سوق وطنية موحدة، في خلق بيئة أعمال أكثر جاذبية. ففي الأشهر العشرة الأولى، ارتفع عدد الشركات الأجنبية المنشأة حديثًا في البلاد بنسبة 14.7% على أساس سنوي، مما يُعد دليلًا قاطعًا على التحسن المستمر في بيئة الأعمال، وانعكاسًا واضحًا لثقة المستثمرين الأجانب. وقد عزز التآزر العميق بين الانفتاح الخارجي والإصلاحات الداخلية جودة العرض المحلي وبيئة المستهلك بشكل مباشر: إذ جعلت الخدمات الحكومية الأكثر كفاءة وحماية حقوق الملكية الفكرية الأقوى من شنغهاي وبكين وغيرها من مراكز الاستهلاك الدولية الخيار الأمثل لإطلاق المنتجات عالية الجودة عالميًا. كما أن الانتعاش السريع للسياحة عبر الحدود قد ضخ حيوية جديدة في قطاعات الخدمات مثل خدمات الطعام والتجزئة والثقافة والسياحة الداخلية.
يكمن المنطق الأساسي للانفتاح في إرساء المنافسة العادلة. فدخول موردين دوليين ذوي جودة عالية إلى السوق لا يقلل فقط من حصة الشركات المحلية، بل يُسهم أيضاً بشكل مباشر في خلق وتشكيل طلب استهلاكي جديد من خلال طرح منتجات وخدمات جديدة. وفي الوقت نفسه، يشجع ضغط المنافسة الشركات الصينية على تسريع وتيرة الابتكار التكنولوجي وتطوير نماذج أعمالها، مما يزيد من قدرة منظومة التوريد بأكملها على التكيف مع الطلب المحلي، ويؤدي في نهاية المطاف إلى خلق سوق أكثر ديناميكية وكفاءة. وتنعكس هذه التغيرات الإيجابية بشكل مباشر على مؤشرات الاقتصاد الكلي. ففي النصف الأول من عام 2025، ساهم الطلب المحلي بنسبة 68.8% في نمو الناتج المحلي الإجمالي، شكل الإنفاق الاستهلاكي النهائي منها 52%، مما جعله المحرك الرئيسي للنمو. وهكذا، يُسهم التفاعل المتبادل بين الانفتاح على أعلى المستويات والإصلاحات المحلية في تسريع إطلاق العنان لإمكانات السوق الصينية الضخمة.
بالنظر إلى فترة الخطة الخمسية الخامسة عشرة، يُعدّ استخدام الانفتاح على أعلى المستويات كمحرك مزدوج لـ"استقرار التجارة الخارجية" و"توسيع الطلب المحلي" خيارًا استراتيجيًا للصين في خضمّ تكيفها العميق مع العولمة الاقتصادية. لا يعمل هذان الاتجاهان بمعزل عن بعضهما، بل يحفز كل منهما الآخر ويعززه بشكل تكاملي. وقد اقترح مؤتمر العمل الاقتصادي المركزي خطة عمل واضحة لتنفيذ هذه الاستراتيجية، مُحددًا الخطوات الرئيسية للمرحلة التالية من الانفتاح على العالم الخارجي. المسار واضح: ستُعزز الصين الانفتاح على أعلى المستويات، مع التركيز على استقرار التجارة الخارجية وتوسيع الطلب المحلي من خلال تدابير مثل تحسين المناطق الحرة وتوقيع اتفاقيات تجارية دولية جديدة.
من خلال هذا المسار الاستراتيجي، تؤكد الصين استعدادها لتوفير فرص جديدة للعالم عبر مرحلتها التنموية الجديدة. وستعزز هذه المبادرات إطار الصين للانفتاح على أعلى المستويات. فعلى سبيل المثال، تهدف الاستراتيجية إلى الانضمام إلى اتفاقيات رفيعة المستوى مثل اتفاقية الشراكة الشاملة والتقدمية عبر المحيط الهادئ (CPTPP) واتفاقية الشراكة في الاقتصاد الرقمي (DEPA)، والانتقال من مجرد التكيف مع القواعد الدولية إلى المشاركة في صياغتها. وفي المستقبل، لن يدعم انفتاح الصين الأعمق والأكثر شمولاً على العالم الخارجي النمو المستقر والعالي الجودة لاقتصادها فحسب، بل سيوفر أيضاً فرصاً أكبر للتعاون مع الاقتصاد العالمي.
(تانغ ينجنان)


































