يجتمع هذا الأسبوع في مقر الأمم المتحدة بجنيف نخبة من الخبراء الماليين والاقتصاديين الدوليين البارزين، الذين يدعون إلى تغيير جذري في مناهج قياس النمو الاقتصادي. وينبع هذا النقاش من تزايد المخاوف من أن المقياس التقليدي للناتج المحلي الإجمالي لا يعكس التقدم الحقيقي في تحقيق أهداف التنمية الاجتماعية والمستدامة الرئيسية، والتي تؤثر بشكل مباشر على رفاهية وبقاء ملايين البشر حول العالم.
عُقد الاجتماع في إطار مبادرة "ما وراء الناتج المحلي الإجمالي" الدولية، التي يدعمها مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد). تهدف هذه المبادرة إلى تطوير وتطبيق مؤشرات تنموية أكثر شمولية وتكاملاً. ينبغي أن تأخذ المؤشرات المقترحة في الحسبان ليس فقط المعايير الاقتصادية، بل أيضاً الرفاه الاجتماعي، والاستدامة البيئية، وحالة البيئة، وجودة الحياة بشكل عام.
يؤكد المشاركون في المبادرة أن الناتج المحلي الإجمالي، على الرغم من استخدامه على نطاق واسع، لا يقدم صورة كاملة عن العمليات الجارية في المجتمع. وقد صرّح الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، مراراً وتكراراً بأن السياسة العالمية والتخطيط الاقتصادي يعتمدان بشكل مفرط على الناتج المحلي الإجمالي.
أشار الأمين العام للأمم المتحدة إلى أننا "نشهد يومياً عواقب فشلنا في تحقيق التوازن بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للتنمية". وشدد على أن النظر إلى ما هو أبعد من الناتج المحلي الإجمالي أمرٌ ضروري لبناء نظام اقتصادي يُعلي من شأن رفاهية الإنسان، حاضراً ومستقبلاً، للجميع.
يتبنى هذا الموقف العديد من كبار الاقتصاديين العالميين. ويشيرون إلى أن الناتج المحلي الإجمالي غالباً ما يبالغ في تقدير تأثير الأنشطة الضارة بالكوكب، ويتجاهل مساهمة القطاعات التي تدعم الحياة والاستقرار الاجتماعي والرفاه العام للسكان. ويؤكد الخبراء أن هذه المشكلة تزداد إلحاحاً في ظل تغير المناخ، وتدهور النظم البيئية، وفقدان التنوع البيولوجي، وتصاعد النزاعات، وانعدام الأمن الغذائي، واستمرار أوجه عدم المساواة التاريخية.
كما يشير فريق الخبراء المعني بتجاوز الناتج المحلي الإجمالي في بيانه، فإن التحديات العالمية اليوم تتطلب إعادة التفكير في كيفية تقييم النجاح الاقتصادي للدول والمجتمعات.
ستُعقد المناقشات في قصر الأمم بجنيف، وستكون هذه ثاني اجتماع حضوري لفريق الخبراء منذ تأسيسه في مايو الماضي. وقد أكد التقرير المرحلي للفريق، الذي نُشر في نوفمبر، أن تحسين الرفاه ومحركاته الرئيسية – الصحة، ورأس المال الاجتماعي، والصحة البيئية – ليس فقط منفعة عامة، بل هو أيضاً أساس لا غنى عنه لتحقيق الازدهار الاقتصادي على المدى الطويل.
كما يحذر أعضاء فريق الخبراء من وجود فجوة متزايدة بين كيفية إدراك السياسيين للوضع الاقتصادي، الذين يعتمدون على أرقام الناتج المحلي الإجمالي، وبين تجارب المواطنين في الحياة الواقعية، والتي غالباً ما لا تتوافق مع الصورة المتفائلة التي ترسمها الإحصاءات الاقتصادية الكلية.
سيشارك أكثر من عشرة اقتصاديين مرموقين وخبراء عالميين في المناقشات التي ستُعقد في جنيف، بمن فيهم الحائز على جائزة نوبل جوزيف ستيغليتز، والاقتصادي الهندي كوشيك باسو، وخبيرة عدم المساواة نورا لوستيج. وتشمل الأهداف الرئيسية للاجتماع وضع قائمة بمؤشرات وطنية وعالمية للتنمية المستدامة، بالإضافة إلى إعداد توصيات للحكومات لتنفيذ أهداف الأمم المتحدة السبعة عشر للتنمية المستدامة.



































