شراكة استراتيجية بين آسيا الوسطى واليابان في بيئة جديدة. في الفترة من 19 إلى 20 ديسمبر 2025، تستضيف طوكيو حدثًا تاريخيًا بارزًا في العلاقات بين آسيا الوسطى واليابان: أول قمة لرؤساء الدول بصيغة "آسيا الوسطى + اليابان". سيمثل هذا الاجتماع علامة فارقة، إذ يفتح فصلًا جديدًا في الشراكة الاستراتيجية، ويعطي دفعة قوية للتعاون متعدد الأوجه بين المنطقة وإحدى الاقتصادات الرائدة عالميًا.
تجدر الإشارة إلى أن القمة المرتقبة تتزامن مع الذكرى السنوية العشرين لحوار "آسيا الوسطى واليابان"، الذي أُطلق عام ٢٠٠٤. وتولي اليابان اليوم أولوية قصوى لتطوير علاقات شاملة ومتبادلة المنفعة مع دول آسيا الوسطى. ويتجلى إدراك الأهمية الاستراتيجية للمنطقة أيضاً في الكتاب الأزرق للدبلوماسية اليابانية لعام ٢٠٢٣، الذي يُصنّف آسيا الوسطى كإحدى أهم مجالات سياستها الخارجية.
يعود هذا التطور إلى السياسة الخارجية البناءة للرئيس الأوزبكي شوكت ميرزيوييف، الذي دشّن مرحلة جديدة نوعياً من توطيد العلاقات في آسيا الوسطى. لم تُعزز هذه السياسة البراغماتية مكانة المنطقة الدولية فحسب، بل هيّأت أيضاً ظروفاً مواتية لعمل جماعي منهجي لتحييد التهديدات الإقليمية. واليوم، تُعدّ آسيا الوسطى منصةً لتنفيذ مشاريع دولية كبرى (التجارة، النقل، الطاقة)، مع تدفق ديناميكي للاستثمارات الأجنبية وتفاعل فعّال مع المؤسسات العالمية. ونتيجةً لذلك، نشهد تزايداً ملحوظاً في الأهمية الجيوسياسية للمنطقة، ما يجذب اهتماماً بالغاً من القوى العالمية.
من جانبها، تنظر دول آسيا الوسطى إلى اليابان كشريك استراتيجي هام، ومشاركتها الفعّالة ضرورية لتعزيز الاستقرار الإقليمي وضمان التنمية الاقتصادية المستدامة. ويستند هذا الموقف إلى عدة عوامل رئيسية:
أولاً، منذ بدايات الاستقلال، دعمت اليابان التنمية الاقتصادية لدول آسيا الوسطى من خلال مشاريع البنية التحتية والتعاون الفعال في المنظمات الدولية والمؤسسات المالية مثل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وبنك التنمية الآسيوي، ومبادرة التعاون الاقتصادي الإقليمي لآسيا الوسطى، فضلاً عن تنفيذ مشاريع بنية تحتية واسعة النطاق. وشملت المشاركة اليابانية جميع القطاعات الرئيسية تقريباً، من أنظمة إمدادات المياه والصرف الصحي إلى المطارات ومحطات التدفئة والسكك الحديدية. كما امتدت المساعدات لتشمل إعادة بناء المدارس، وتزويد المستشفيات بالمعدات الطبية، وتدريب المتخصصين في مجالي الأعمال والزراعة.
ثانيًا، يتمثل أحد أبرز سمات السياسة اليابانية في المنطقة في أن طوكيو تبني نهجها على مبادئ المساواة والاحترام المتبادل ومراعاة مصالح الشركاء، دون فرض شروط سياسية غير معقولة. وقد خلق هذا النهج جوًا من الثقة في اليابان باعتبارها "جارة بعيدة لا تخفي أجندات خفية"، حيث يُنظر إلى مشاركتها لا على أنها رغبة في الهيمنة، بل على أنها رغبة صادقة في تعزيز التنمية السيادية للمنطقة.
ثالثًا، إن القاعدة العلمية والتكنولوجية لليابان، والتي تعتبر، دون مبالغة، واحدة من القواعد الرائدة في العالم، لها قيمة خاصة في واقع اليوم.
في ظل الإصلاحات الجارية في دول آسيا الوسطى لتحديث اقتصاداتها ونقلها إلى مناهج ابتكارية، تكتسب الخبرة والتكنولوجيا اليابانية أهمية بالغة. ولا يقتصر ذلك على نقل التكنولوجيا فحسب، بل يشمل أيضاً نقل المعرفة بشكل شامل، بما في ذلك تدريب الكوادر، وتهيئة بيئة مؤسسية، وتعزيز ثقافة الابتكار.
في هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن اليابان هي أكبر مُقدّم للمساعدات الإنمائية الرسمية لآسيا الوسطى، حيث تُركّز جهودها على تحديث المؤسسات العامة، وتطوير البنية التحتية، وتهيئة بيئة أعمال مُواتية. وعلى مرّ سنوات التعاون، نفّذت اليابان العديد من المشاريع التي شملت إصلاحات تهدف إلى تعزيز اقتصاد السوق، والحكم الديمقراطي، وتحسين أنظمة التعليم والرعاية الصحية. ومع ذلك، فإنّ أبرز ما يُميّز النهج الياباني هو تركيزه على الموارد البشرية باعتبارها أساس التنمية طويلة الأجل. وقد غطّت البرامج التدريبية في المراكز اليابانية في أوزبكستان وقيرغيزستان وكازاخستان كل شيء بدءًا من أساسيات الأعمال وصولًا إلى الإدارة اليابانية. وبحلول عام 2024، أكمل 911 متخصصًا تدريبهم في الجامعات اليابانية ضمن برنامج القادة الشباب. واليوم، يُساهم هؤلاء الخريجون في تعميق العلاقات بين اليابان ودول آسيا الوسطى، مما يضمن استمرارية التوجّه الاستراتيجي. رابعًا، أصبحت اليابان أول قوة عظمى تُدرك أن آسيا الوسطى منطقة تتطلّب نهجًا شاملًا. في عام 2004، طرحت طوكيو مبادرة لإنشاء صيغة حوار "آسيا الوسطى واليابان" لتعزيز التعاون الإقليمي والتنمية المستقلة في آسيا الوسطى.
تكمن رؤية هذا النهج في مرونته المدروسة. فقد ركز كل اجتماع على معالجة قضايا محددة، بدءًا من إدارة الحدود والموارد المائية وصولًا إلى التنويع الاقتصادي والأمن الإقليمي. وقد تم كل ذلك دون التزامات مرهقة أو هياكل تعاقدية جامدة. أثبت هذا النموذج فعاليته لدرجة أنه تم اعتماده لاحقًا من قبل جهات فاعلة عالمية أخرى، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة والصين وروسيا. ويؤكد نجاح المبادرة اليابانية صحة الاستراتيجية المختارة، والتي تهدف إلى إيجاد حلول عملية لمشاكل محددة مع احترام سيادة دول المنطقة.
بناءً على ما سبق، تشمل المجالات الواعدة لمزيد من تطوير التعاون بين دول آسيا الوسطى واليابان ما يلي: أولاً، تعزيز المصالح والمبادرات المشتركة داخل المنظمات الدولية. فعلى مرّ سنوات التعاون، ترسخت ممارسة جيدة للدعم المتبادل داخل الأمم المتحدة. وعلى وجه الخصوص، دعمت أوزبكستان ترشيح اليابان لعضوية هيئات الأمم المتحدة المختلفة أكثر من أربعين مرة. وبدورها، دعمت طوكيو ترشيح أوزبكستان لانتخابات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في الفترة 2021-2023، وكذلك سمرقند كمكان لعقد الدورة الخامسة والعشرين للجمعية العامة لمنظمة السياحة العالمية في عام 2023. علاوة على ذلك، كان الجانب الياباني من بين المشاركين في صياغة خمسة قرارات للجمعية العامة للأمم المتحدة قدمتها أوزبكستان بشأن قضايا إقليمية ("منطقة خالية من الأسلحة النووية في آسيا الوسطى"، "تعزيز التعاون الإقليمي والدولي لضمان السلام والاستقرار والتنمية المستدامة في منطقة آسيا الوسطى"، "إعلان منطقة بحر آرال منطقة للابتكار والتكنولوجيا البيئية"، "تعزيز دور البرلمانات في تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة").
كما تدعم اليابان المبادرات الإقليمية لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. وعلى وجه التحديد، ساهمت في مشاريع التعاون عبر الحدود التي تهدف إلى مكافحة تهريب المخدرات والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتعزيز التعاون في إدارة الحدود.
من الأمور ذات الأهمية الخاصة مشاركة اليابان بخبراتها المتقدمة وإمكانياتها التقنية ومواردها المالية في أنشطة صندوق الأمم المتحدة الاستئماني متعدد الشركاء للأمن البشري في منطقة بحر آرال. وقد اضطلعت اليابان بدور فاعل في تطوير هذه المبادرة. ثانياً، الربط النقل. يُعد الموقع الجيوسياسي لآسيا الوسطى، عند ملتقى طرق أوروبا وآسيا، عاملاً جاذباً من حيث إمكانيات النقل والخدمات اللوجستية. وسيساعد التعاون في تطوير نظام نقل واتصالات شامل على تحقيق إمكانات آسيا الوسطى في مجال النقل بشكل كامل، لا سيما وأن الطلب العالمي على نقل البضائع سيتضاعف ثلاث مرات بحلول عام 2050، وفقاً لتقديرات الأمم المتحدة. ويمثل هذا التوجه تحدياً مباشراً لدول آسيا الوسطى غير الساحلية، نظراً لأن الخدمات اللوجستية البحرية كانت عنصراً أساسياً في التجارة العالمية لقرون. وتشير الإحصاءات إلى أن النقل البحري يمثل حالياً أكثر من 80% من التجارة العالمية. علاوة على ذلك، تصل تكاليف نقل البضائع في دول آسيا الوسطى إلى 50% من السعر النهائي للسلع، أي ما يقارب خمسة أضعاف المتوسط العالمي البالغ 11%. وفي هذا السياق، يُعد التعاون الوثيق بين دول آسيا الوسطى واليابان في بناء وتحديث السكك الحديدية والطرق السريعة، ورقمنة نقاط الجمارك، وإنشاء مراكز لوجستية أمراً بالغ الأهمية، حيث سيسمح ذلك بتحقيق الإمكانات الكاملة للنقل والعبور في آسيا الوسطى.
ثالثًا، التعاون في مجال الموارد المعدنية الحيوية. تمتلك آسيا الوسطى 39% من احتياطيات خام المنغنيز في العالم، و31% من الكروم، و20% من الرصاص، و13% من الزنك، و9% من التيتانيوم. سيمكن التعاون الوثيق مع دول آسيا الوسطى اليابان من تنويع مصادرها المعدنية وتجنب اضطرابات سلاسل التوريد. ووفقًا لمصادر مفتوحة، استوردت اليابان في عام 2022 وحده معادن أرضية نادرة بقيمة 628 مليون دولار. لذا، يُعدّ استقطاب الاستثمارات عالية الجودة والتقنيات اليابانية الحديثة في المعالجة المتقدمة لقاعدة الموارد وإنشاء سلسلة قيمة متكاملة معيارًا هامًا لضمان التنمية المتسارعة في آسيا الوسطى.
رابعًا، مكافحة تغير المناخ. تُعدّ آسيا الوسطى من بين أكثر المناطق عرضةً للآثار السلبية لتغير المناخ. فبحسب تقديرات البنك الدولي، إذا ارتفع متوسط درجة الحرارة العالمية بمقدار 4 درجات مئوية بحلول نهاية القرن الحادي والعشرين بالمعدلات الحالية، فإن الزيادة في آسيا الوسطى ستصل إلى 7 درجات. وهذا يُنذر بخطر إلحاق الضرر بالسدود الطبيعية لـ 300 بحيرة جبلية شاهقة. ووفقًا لحسابات الخبراء، مع ارتفاع متوسط درجة الحرارة السنوية بمقدار 2-4 درجات مئوية، قد يتقلص حجم الأنهار الجليدية الجبلية في المنطقة بنسبة تصل إلى 78%. ونظرًا لما سبق، فإن إدخال التقنيات اليابانية في مجالات كفاءة الطاقة، وترشيد استهلاك المياه، والطاقة المتجددة سيُسهم في تعزيز قدرة آسيا الوسطى على الصمود. وتستثمر اليابان بالفعل بنشاط في قطاع الطاقة النظيفة والمتجددة، إدراكًا منها للدور المحوري الذي تلعبه الموارد الطبيعية في المنطقة في سلسلة التوريد العالمية للتقنيات الخضراء. ومن الجدير بالذكر تجربة اليابان في تطوير تطبيقات تستخدم أقمار الرادار الصناعية لرصد الكوارث الطبيعية، فضلًا عن معايير البناء الصارمة المقاومة للزلازل، والتي تُعدّ بالغة الأهمية في المناطق النشطة زلزاليًا. تتمتع هذه التقنيات بالقدرة على إنقاذ آلاف الأرواح ومنع حدوث أضرار اقتصادية هائلة.
خامساً، إقامة تعاون في مجال الحد من الفقر. تُعدّ آسيا الوسطى اليوم من أسرع المناطق نمواً ديموغرافياً في العالم. ووفقاً للأمم المتحدة، سيصل عدد سكان المنطقة إلى 100 مليون نسمة بحلول عام 2030، مما يزيد من أهميتها في أسواق المستهلكين. وفي هذا السياق، تكتسب مسألة خلق فرص عمل جديدة أهمية متزايدة، مما يؤكد ضرورة مواصلة برنامج "قرية واحدة، منتج واحد" الذي أُطلق في دول آسيا الوسطى عام 2017 بدعم من وكالة جايكا.
مع تعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي في آسيا الوسطى، يتطور دور اليابان من المساعدات التنموية التقليدية إلى مشاريع أكثر تعقيدًا تركز على التكنولوجيا. وتُستكمل وكالة جايكا، الأداة الرئيسية لتعزيز التعاون الياباني، تدريجيًا بمؤسسات أخرى مثل بنك اليابان للتعاون الدولي (JBIC)، الذي يدعم مشاريع تجارية أوسع نطاقًا. ويتجلى هذا التوجه الجديد في مذكرة التفاهم بين بنك اليابان للتعاون الدولي ووزارة النقل في أوزبكستان، فضلًا عن التعاون المتنامي لشركات مثل شركة سوجيتز في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة. ويُظهر هذا التحول في المساعدات الانتقال إلى شراكة أكثر تقدمًا ومنفعة متبادلة، حيث لا تقتصر الشركات اليابانية على تسهيل التنمية الاقتصادية في المنطقة، بل تُصبح أيضًا مشاركًا فاعلًا فيها.
بشكل عام، مثّلت المرحلة الجديدة نوعياً من التعاون الإقليمي التي شهدتها آسيا الوسطى حافزاً قوياً لتكثيف السياسة الخارجية اليابانية تجاهها. وفي ظل هذه الظروف، تواصل المنطقة إظهار انفتاحها على شراكة متكافئة ومتبادلة المنفعة، واليابان على استعداد لتوسيع مشاركتها في تنميتها. تُعدّ آسيا الوسطى اليوم فاعلاً نشطاً في العلاقات الدولية، قادرة على صياغة أجندتها الخاصة واختيار شركائها بناءً على مصالحها الوطنية.
مما لا شك فيه أن القمة المقبلة في 19-20 ديسمبر من هذا العام في طوكيو ستصبح منصة لتحديد آفاق التعاون "غير المستغلة" وستخلق جميع الشروط المسبقة لفتح فصل جديد في الشراكة الاستراتيجية بين آسيا الوسطى واليابان في السياق الحالي.

بختيور مصطفىييف،
نائب مدير معهد الدراسات الاستراتيجية والإقليمية التابع لرئيس جمهورية أوزبكستان
باخرومجون سوتيبولدييف،
رئيس قسم معهد الدراسات الاستراتيجية والإقليمية التابع لرئيس جمهورية أوزبكستان


































