وصل النقاش العالمي حول الحد من أضرار التدخين إلى مستوى جديد. وفي خضم البحث عن بدائل أقل خطورة للسجائر، تجذب أكياس النيكوتين – وهي فئة من المنتجات الخالية من الدخان والتي أصبحت بالفعل موضوعًا للبحث العلمي والبرامج الحكومية والقرارات التنظيمية في مختلف البلدان – اهتمامًا متزايدًا.
أكياس النيكوتين، أو ما يُعرف بـ"نيك باك"، هي منتجات تحتوي على النيكوتين ولا تُصدر دخاناً، وهي مُخصصة للاستخدام عن طريق الفم. لا تحتوي هذه الأكياس على أوراق التبغ، وتُستخدم دون احتراق. يُعتبر احتراق التبغ المصدر الرئيسي لمعظم المواد السامة والمسرطنة التي تنتج أثناء تدخين السجائر.
لذا، في السنوات الأخيرة، ازداد اهتمام الباحثين بأكياس النيكوتين كوسيلة للحد من أضرار التدخين لدى المدخنين البالغين غير المستعدين للتخلي عن النيكوتين نهائياً، ولكنهم يرغبون في الإقلاع عن السجائر. مع ذلك، يؤكد الخبراء على نقطة هامة: النيكوتين يبقى مادة مُسببة للإدمان. وهذا يعني أن هذه المنتجات ليست بريئة، وليست مُخصصة للقاصرين، أو غير المدخنين، أو من لم يسبق لهم استخدام النيكوتين.
مع ذلك، فإن غياب الاحتراق يقلل بشكل ملحوظ من التعرض للعديد من المواد الضارة مقارنةً بتدخين السجائر. وهذا ما تؤكده نتائج العديد من الدراسات. وعلى وجه الخصوص، أظهرت مراجعة للأبحاث العلمية المنشورة عام 2026، بقيادة طبيب القلب العالمي الشهير كونستانتينوس فارسالينوس، أن المدخنين البالغين الذين يتحولون كليًا إلى أكياس النيكوتين يمكن أن يشهدوا انخفاضًا في التعرض للمواد السامة بنسبة عشرات بالمئة، وفي بعض الدراسات، بنسبة تصل إلى 96%.
تُناقش قضايا الحد من أضرار التدخين حاليًا بشكلٍ مكثف، ليس فقط في الأوساط العلمية، بل أيضًا على مستوى السياسات العامة. وتُعدّ السويد من أبرز الأمثلة على ذلك. إذ تتبنى البلاد نهجًا قائمًا على تقييم المخاطر في تنظيم منتجات النيكوتين غير المُدخّنة، ويبلغ معدل تدخين السجائر اليومي بين البالغين حوالي 5.4%، وهو من أدنى المعدلات في أوروبا. وبالمقارنة، قبل عقود، كان ما يقرب من نصف الرجال في السويد مدخنين. أما الآن، ومع انخفاض معدلات التدخين، فقد انخفض معدل الإصابة بسرطان الرئة في البلاد بنحو 58% عن المتوسط الأوروبي.
يُتّبع نهج مماثل في نيوزيلندا. فإلى جانب التدابير الصارمة لمنع القاصرين من الوصول إلى منتجات النيكوتين، تدرس السلطات هناك بدائل أقل ضرراً كوسيلة للحد من التدخين بين البالغين.
حظي قرار إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) باهتمام خاص من الخبراء. ففي يناير 2025، منحت الإدارة ترخيصًا لتسويق أكياس النيكوتين ZYN بعد مراجعة كمية كبيرة من البيانات العلمية. وأوضحت إدارة الغذاء والدواء أن هذه المنتجات قد تُفيد الصحة العامة، لأن المدخنين البالغين الذين يتحولون إليها كليًا يُقللون بشكل ملحوظ من تعرضهم للمواد الكيميائية الضارة مقارنةً بالاستمرار في تدخين السجائر.
أعاد تقرير جديد لمنظمة الصحة العالمية حول أكياس النيكوتين إحياء موضوع هذه الفئة، ولكنه أثار تساؤلات لدى بعض الخبراء نظراً لعدم شمولية استعراضه للتجارب الدولية والاختلافات داخل هذه الفئة نفسها. ويقر التقرير بأن هذه المنتجات تحتوي على مواد سامة أقل من السجائر، وقد تُسهم في الحد من استهلاك التبغ أو تشجيع الإقلاع عن التدخين بين المدخنين البالغين.
مع ذلك، يشير خبراء دوليون إلى أن التقرير يركز بشكل أساسي على المخاطر المحتملة والمسائل التنظيمية، بينما يغيب عنه إلى حد كبير الخبرة الدولية في استخدام منتجات التبغ الخالية من الدخان ضمن استراتيجيات الحد من أضرار التدخين. وعلى وجه التحديد، لم يتناول التقرير بالتفصيل حالات السويد ونيوزيلندا وقرارات إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، والتي غالباً ما يستشهد بها الخبراء كأمثلة على نهج بديل للإقلاع عن التدخين.
كان من بين المواضيع الأخرى التي نوقشت النهج المتبع في التعامل مع فئة أكياس النيكوتين نفسها. ووفقًا لبعض الخبراء، فإن التقرير يجمع فعليًا بين المنتجات القانونية المصنعة وفقًا لمعايير الجودة والتي تخضع للاختبارات اللازمة، والمنتجات ذات المنشأ المشكوك فيه والتي قد يتم توزيعها خارج السوق الخاضعة للتنظيم.
لهذا السبب ، يؤكد الخبراء على ضرورة وجود رقابة حكومية صارمة. ولا يقتصر ذلك على القيود العمرية وحظر البيع للقاصرين فحسب، بل يشمل أيضاً متطلبات تكوين المنتج، والشهادات، وشفافية الإنتاج، ومكافحة الأسواق غير المشروعة. فالمنتجات المقلدة لا تخضع لاختبارات الجودة والسلامة اللازمة، وغالباً ما يترافق توزيعها مع انتهاك آليات مراقبة وصول الشباب إليها.
باختصار، لا يزال مجتمع الخبراء العالمي يبحث عن إجابة للسؤال الصعب حول كيفية الحد من أضرار التدخين بين البالغين دون خلق مخاطر جديدة للشباب. فبينما تعتمد بعض الدول على قيود صارمة، تُجري دول أخرى تجارب ناجحة على مناهج الحد من الأضرار. وثمة أمر واحد واضح: يجب ألا تُحرك السياسات المستقبلية في هذا المجال بالعاطفة، بل يجب أن تستند إلى البيانات العلمية وأن تأخذ في الحسبان التجارب التنظيمية الإيجابية للدول التي حققت نجاحاً في مكافحة التدخين.





































