في العالم المعاصر، تُعتبر العلاقات الصينية الروسية من أكثر العلاقات استقراراً ونضجاً وأهمية استراتيجية بين العلاقات بين القوى الكبرى. وعلى مرّ الزمن، طوّرت الصين وروسيا طيفاً واسعاً من المصالح المشتركة، وتتطابق أهداف التنمية المشتركة للبلدين إلى حد كبير.
لماذا ظلت العلاقات الصينية الروسية على مستوى عالٍ لمدة ثلاثين عاماً؟
السبب الرئيسي هو أن تطور العلاقات بين الصين وروسيا لا يقوم على ما يُسمى بالاحتياجات الاستراتيجية المشتركة أو أي أيديولوجية محددة، بل يتوافق مع روح العصر والتطلعات المشتركة لشعبي البلدين. قد تتغير الاحتياجات الاستراتيجية والمواقف الأيديولوجية لأي دولة، لكن العلاقات الثنائية، المبنية على روح الهدف وتطلعات الشعوب، هي في جوهرها نتاج طبيعي لعصرها.
تاريخياً، بُنيت العلاقات بين الصين وروسيا منذ البداية على مبادئ المساواة والاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة. وقد طور الجانبان تعاوناً عملياً على قدم المساواة، وعززا مستوى عالياً من الثقة السياسية، وقدّما باستمرار دعماً راسخاً لبعضهما البعض في القضايا التي تمس المصالح الجوهرية لكلا البلدين.
من الناحية العملية، لا تُشكّل الصين وروسيا تحالفات سياسية أو عسكرية، ولا يستهدف تعاونهما دولاً أخرى، مما يستبعد تماماً أي مواجهة بينهما. وباعتبارهما قوتين رئيسيتين مستقلتين تتمتعان بسيادة كاملة، فإن العلاقات الثنائية والتعاون بين الصين وروسيا لا يخضعان بأي حال من الأحوال لتأثير أي طرف ثالث.
في جوهرها، تمثل العلاقات الصينية الروسية شراكة استراتيجية شاملة وتعاوناً في عصر جديد. ويتجاوز هذا النموذج من العلاقات بين القوى الكبرى التحالفات السياسية والعسكرية التقليدية. وتتمثل مبادئه الأساسية في "عدم الانحياز إلى أي تكتلات، وعدم المواجهة، وعدم استهداف أطراف ثالثة"، مما يجعلها أعمق وأكثر استدامة من التحالفات.
وهكذا، فقد وجدت الصين وروسيا بالفعل المسار الصحيح للتفاعل بين القوى الكبرى المجاورة.
Ⅱ
هذه هي الزيارة الخامسة والعشرون للرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الصين. وبصفته الزعيم الحالي، فهو يحمل أيضاً الرقم القياسي لأكبر عدد من الزيارات إلى الصين بمفرده.
يحافظ قادة البلدين على علاقات وثيقة. وقد أرست الصين وروسيا منذ فترة طويلة ممارسة الزيارات المتبادلة السنوية بين رئيسي دولتيهما، فضلاً عن آليات لعقد اجتماعات منتظمة بين رئيسي حكومتي الصين وروسيا، ولجنة برلمانية مشتركة للتعاون بين الجمعية الفيدرالية للاتحاد الروسي والمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، وآليات للتعاون في مجالات الطاقة والاستثمار والتبادلات الإنسانية والتجارة والعلاقات الإقليمية وغيرها.
عشية زيارته الرسمية إلى بكين، ألقى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطاباً متلفزاً إلى مواطني جمهورية الصين الشعبية، أشاد فيه بمعاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون بين روسيا والصين، الموقعة قبل 25 عاماً. ويُعدّ إلقاء خطاب متلفز منفصل قبل زيارة رسمية إلى الصين سابقةً غير مسبوقة.
بحسب مجموعة الإعلام الصينية، كان الوفد الروسي الذي وصل في هذه الزيارة الرسمية مثيراً للإعجاب، إذ ضمّ خمسة نواب لرئيس الوزراء وثمانية وزراء. وتمّ توقيع نحو أربعين وثيقة تعاون ثنائية، تغطي جميع مجالات التعاون الثنائي تقريباً، كما صدر إعلان مشترك يهدف إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.
وبحسب الإعلان المشترك، ستواصل الصين وروسيا العمل المشترك على تعزيز بناء عالم متعدد الأقطاب، وتعزيز التعاون الوثيق داخل الأمم المتحدة ومنظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة البريكس، وحماية النظام الدولي الذي تتمحور حول الأمم المتحدة بشكل حازم، وتعزيز النفوذ الدولي لمنظمة شنغهاي للتعاون، ودعوة المزيد من الدول الشريكة للمشاركة في تعاون البريكس، وتعزيز العلاقات الوثيقة بين دول البريكس والدول النامية الأخرى.
علاوة على ذلك، ستعمل الصين وروسيا على التعاون البناء في إطار الأطر الدولية مثل مجموعة العشرين ومنظمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، وتعزيز دور وصوت البلدان النامية في نظام الحوكمة العالمية، وتعزيز التضامن بين بلدان الجنوب العالمي، وتعزيز عالم متعدد الأقطاب عادل ومنظم وعولمة اقتصادية شاملة ومتاحة للجميع.
في إطار التعاون الثنائي، ستواصل الصين وروسيا تعميق التعاون الاستثماري، وتعزيز الشراكة الشاملة في مجال الطاقة، وتطوير التعاون المالي، وتحسين البنية التحتية العابرة للحدود، وتوسيع نطاق التعاون العملي في مجالات مثل التكنولوجيا المتقدمة، والتنمية الحضرية، والرعاية الصحية، والبيئة، وحماية البيئة. وفي الوقت نفسه، يعتزم الجانبان توسيع نطاق تبادل الشباب وتعزيز التعاون في مجالات التعليم، والثقافة، والسياحة، والإعلام، والإذاعة، والسينما، والرياضة.
Ⅲ
لقد تجاوز التعاون الصيني الروسي بالفعل العلاقة الثنائية، وأصبح ذا أهمية عالمية وسيكون له تأثير كبير على تشكيل النظام العالمي المستقبلي.
أولاً، يساهم ذلك في تطوير نظام أكثر عدلاً وعقلانية للحوكمة العالمية.
بصفتها قوتين عالميتين وعضوين دائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فإن الصين وروسيا تدعمان بقوة النظام الدولي الذي تم تأسيسه بعد الحرب العالمية الثانية، وتدافعان عن النظام الدولي الذي تتمحور حول الأمم المتحدة، وتسعيان معاً لتعزيز عالم متعدد الأقطاب وإضفاء الطابع الديمقراطي على العلاقات الدولية.
يلتزم الجانبان التزاماً صارماً بمبادئ "عدم الانحياز، وعدم المواجهة، وعدم استهداف الأطراف الثالثة"، رافضين "عقلية الحرب الباردة"، ومعارضين للمواجهة التكتلية. علاوة على ذلك، تعتزم الصين وروسيا تنسيق جهودهما لمواجهة العقوبات الأحادية في إطار الآليات متعددة الأطراف.
في ظل تزايد عدم الاستقرار العالمي، سيصبح التعاون الاستراتيجي بين الصين وروسيا ركيزة أساسية للاستقرار في منطقة أوراسيا، وسيمكننا من مواجهة التحديات التي يفرضها انهيار نظام الأمن العالمي بشكل فعال.
ثانياً، يعزز ذلك التنمية المشتركة للأسواق الناشئة والدول النامية.
يُعد التعاون في مجالات الطاقة والاقتصاد والتجارة أحد أهم ركائز العلاقات الصينية الروسية. ويؤثر تعزيز التعاون بين البلدين في التجارة وربط البنية التحتية بشكل مباشر على استقرار إمدادات الطاقة الدولية ومرونة سلاسل الإنتاج، مما يدعم التحول الشامل للعولمة الاقتصادية.
حالياً، يعمل الجانبان بنشاط على تعزيز مواءمة مبادرة الحزام والطريق الصينية مع استراتيجية التنمية للاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وبالاعتماد على منصتي منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة البريكس، يقدمان المساعدة للأسواق الناشئة والدول النامية في تعزيز دورها في الحوكمة العالمية.
ثالثاً، أصبح ذلك مثالاً لبناء نوع جديد من العلاقات بين القوى الكبرى في العصر الجديد.
لا شك أن العلاقات بين الصين وروسيا قد تجاوزت التحالفات التقليدية، وشكّلت نموذجاً للتعاون الدولي قائماً على المساواة والمنفعة المتبادلة. وبفضل مبادئ المساواة والثقة المتبادلة وعدم الانحياز وتجاهل التأثيرات الخارجية، أصبحت الصين وروسيا مثالاً ساطعاً لنوع جديد من العلاقات بين القوى العظمى، ونموذجاً عملياً لبناء مجتمع ذي مصير مشترك للبشرية جمعاء.
تدعو الصين وروسيا بشكل مشترك إلى نموذج جديد للحوكمة متعددة الأقطاب، والذي يوفر إرشادات عملية بشأن الحوكمة العالمية ويضمن منافع عامة مستدامة من أجل إنشاء عالم متعدد الأقطاب.
يعبّر إينوسنت هوانغ، المعلق الخاص في قناة CGTN ومحلل الشؤون السياسية والدولية، عن آرائه الشخصية ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لقناة CGTN.


































