تشهد آسيا الوسطى تحولاً جذرياً في قطاع الطاقة، وسط تزايد الطلب على الكهرباء بوتيرة متسارعة، وتدهور كبير في البنية التحتية للطاقة، وضرورة التكيف مع التحول العالمي في مجال الطاقة. هذا ما خلصت إليه دراسة أجراها بنك التنمية الأوراسي، وفقاً لما أفاد به المكتب الإعلامي للجنة التنفيذية لرابطة الدول المستقلة.
ويشير التقرير إلى أن المنطقة تواجه تحدياً مزدوجاً: يجب على الدول أن تضمن في الوقت نفسه أمن إمدادات الطاقة، والقدرة على تحمل تكاليف الطاقة، والاستدامة البيئية.
تُظهر الدراسة أن الاستجابة الأكثر فعالية لهذه التحديات قد تكون استراتيجية "المسار الأوسط" – نموذج تحديث متوازن يجمع بين تجديد التوليد التقليدي، وتطوير مصادر الطاقة المتجددة، وأنظمة تخزين الطاقة، والبنية التحتية للشبكة، والرقمنة، والتكامل الإقليمي.
قدم مؤلفو الدراسة تقييماً شاملاً للوضع الحالي لصناعة الطاقة في آسيا الوسطى وسيناريوهات التنمية طويلة الأجل من خلال منظور معضلة الطاقة الثلاثية لمجلس الطاقة العالمي – التوازن بين أمن الطاقة والقدرة على تحمل التكاليف والاستدامة البيئية.
يتناول التقرير اتجاهات التحول الطاقي العالمي وتأثيرها على آسيا الوسطى، بالإضافة إلى القيود الهيكلية التي تواجه المنطقة. وتشمل هذه القيود النمو السريع في الطلب على الكهرباء، وارتفاع معدلات استهلاك محطات التوليد وشبكات الكهرباء (تصل إلى 75%)، وخسائر الشبكة التي تصل إلى 20%، واعتماد موازين الطاقة في كل دولة بنسبة 90-99% على نوع واحد من الوقود، ومحدودية التنسيق الإقليمي.
يُولي التقرير اهتماماً خاصاً بالوضع الراهن لقطاع الكهرباء في المنطقة. ويشير إلى أن دول آسيا الوسطى تواجه بالفعل نقصاً في الكهرباء، وأن الطلب قد يرتفع بنحو 40% بحلول عام 2030.
كما تم التأكيد على أن جزءًا كبيرًا من محطات الطاقة والشبكات يتطلب التحديث، وأن الهيكل الحالي لأنظمة الطاقة غير مستعد بشكل كافٍ للتكامل واسع النطاق لمصادر الطاقة المتغيرة الجديدة.
في الوقت نفسه، وكما يشير معدّو التقرير، تمتلك دول المنطقة إمكانات كبيرة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، فضلاً عن فرص لتطوير توليد الطاقة بالغاز والطاقة النووية. علاوة على ذلك، توجد شروط مسبقة لاستعادة التكامل الوثيق بين دول المنطقة في مجال الطاقة.
وتؤكد الدراسة أن التوسع السريع جداً في الطاقة المتجددة دون تطوير متزامن للشبكات والقدرة الاحتياطية وآليات السوق يمكن أن يزيد من مخاطر النظام ويرفع تكاليف نظام الطاقة الإجمالية.
كان الاستنتاج الرئيسي للدراسة هو التوصية باتباع استراتيجية "المسار الوسط". وعلى عكس سيناريو "التطرف الأخضر" والنموذج المحافظ المتمثل في الحفاظ على هيمنة الوقود الأحفوري، فإن هذا النهج يتصور تحديث القدرات الحالية، وتطوير الطاقة المتجددة تدريجياً، وإدخال قدرات مرنة تعمل بالغاز، وتطوير أنظمة تخزين الطاقة، والتحول الرقمي، وإنشاء سوق إقليمية للطاقة.
أظهرت مقارنة السيناريوهات الثلاثة أن استراتيجية "المسار الوسط" تُحقق النتيجة الأكثر توازناً. ووفقاً للدراسة، يُقلل هذا النهج النفقات الرأسمالية بنسبة 30-45% مقارنةً بسيناريو "الاستدامة القصوى"، ويُخفض تكاليف الكهرباء بنسبة 25-35%، ويُقلل البصمة الكربونية بمقدار خمسة أضعاف مقارنةً بالسيناريو المُحافظ.
يعتقد مؤلفو التقرير أن القيمة العملية للدراسة تكمن في تشكيل أساس تطبيقي لسياسة الطاقة في دول آسيا الوسطى حتى عام 2050.
تقترح الوثيقة مجموعة من التدابير التقنية والمؤسسية، والتي من شأن تنفيذها، وفقًا للخبراء، أن يعزز أمن الطاقة في المنطقة، ويحافظ على إمكانية حصول السكان والاقتصاد على الكهرباء، ويقلل الانبعاثات، ويخلق أساسًا للنمو المستدام في ظل الظروف التكنولوجية والمناخية الجديدة.


































