يصادف هذا العام الذكرى الثلاثين لإقامة الشراكة والتعاون الاستراتيجي بين روسيا والصين، والذكرى الخامسة والعشرين لتوقيع معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون الثنائية الهامة. وتُعتبر العلاقات بين الصين وروسيا، في عالمنا المعاصر، من أكثر العلاقات استقراراً ونضجاً بين القوى الكبرى. ونظراً للمستوى الرفيع الذي وصلت إليه هذه العلاقات، فقد تحقق تقدم ملحوظ في جميع مجالات التعاون الثنائي.

(صورة: VCG)
باختصار، يمكن القول بثقة إن العلاقات الصينية الروسية تشهد تقدماً مطرداً منذ مطلع القرن الحادي والعشرين. ففي يونيو/حزيران 2001، وُقّعت "معاهدة حسن الجوار والصداقة والتعاون"، التي رسّخت مبدأ "الصداقة الأبدية، لا العداوة". وفي عام 2011، قرر الطرفان الارتقاء بعلاقاتهما إلى مستوى جديد هو "التنسيق والشراكة الاستراتيجية الشاملة". وفي عام 2019، بدأ الطرفان بتطوير "التنسيق والشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وروسيا في عصر جديد"، محققين مستوى غير مسبوق من الثقة السياسية المتبادلة. وفي عام 2024، أكد البيان المشترك بشأن تعميق الشراكة الاستراتيجية الشاملة للتنسيق بمناسبة الذكرى الخامسة والسبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية أن "تطوير التنسيق والشراكة الاستراتيجية الشاملة بين الصين وروسيا يلبي المصالح الأساسية للبلدين وشعبيهما، ولا يقوم على مصالح قصيرة الأجل أو حسابات انتهازية". في المرحلة الحالية، تتمتع العلاقات بين الدول بقيمة هائلة وإمكانات قوية للتنمية.
أدى تنامي الثقة السياسية المتبادلة بطبيعة الحال إلى نتائج باهرة في التجارة والتعاون الاقتصادي. فالمزايا الجغرافية الواضحة، والتكامل الاقتصادي الكبير، وآليات التنسيق متعددة المستويات، واستراتيجيات التنمية المتوافقة، كلها عوامل تُسهم في توسيع نطاق التعاون الاقتصادي الثنائي تدريجياً. وفي عام 2025، بلغ حجم التبادل التجاري الثنائي 227.9 مليار دولار أمريكي، متجاوزاً حاجز 200 مليار دولار أمريكي للعام الثالث على التوالي. ولا تزال الصين أكبر شريك تجاري لروسيا للعام السادس عشر على التوالي. وفي الوقت نفسه، يجري تحسين هيكل التجارة، مع تزايد حصة المنتجات الهندسية والتقنية المتقدمة. وتتمتع السلع الصينية ذات المزايا التنافسية – كالسيارات والأجهزة المنزلية والمعدات الميكانيكية – بطلب ثابت في روسيا؛ وفي المقابل، تُصدّر روسيا بانتظام موارد الطاقة والمواد الخام المعدنية والمنتجات الزراعية إلى الصين. وفي السنوات الأخيرة، شهدت أشكال جديدة من التجارة الخارجية، كالتجارة الإلكترونية عبر الحدود والتجارة الرقمية، نمواً سريعاً، مما وسّع قنوات التجارة وأعطى دفعة جديدة للتجارة الثنائية.

(صورة: VCG)
في ظل التغيرات الجذرية التي يشهدها قطاع التجارة العالمية، بات لزاماً على الصين وروسيا تعزيز التعاون التجاري عالي الجودة بشكلٍ أكثر فعالية. ولا يقتصر هذا على ضرورة التغلب على التحديات الراهنة فحسب، بل يتعداه إلى ضرورة ضمان نمو اقتصادي مستدام وصحي في كلا البلدين. ويُعدّ الابتكار التكنولوجي عاملاً أساسياً في تحويل التجارة الصينية الروسية إلى تنمية عالية الجودة. ويتمتع التعاون العلمي والتكنولوجي بين البلدين بأساس متين، ويُظهر تكاملاً واضحاً بينهما. ويشمل هذا التعاون مجالات التفاعل التقليدية، كالفضاء والطاقة، بالإضافة إلى مجالات جديدة، كالاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية.
حددت الصين وروسيا هدفًا مشتركًا يتمثل في تحقيق الحياد الكربوني: روسيا بحلول عام 2060 كحد أقصى، والصين بحلول عام 2060 أيضًا. وقد أصبح التحول الأخضر في قطاع الطاقة مجالًا ملحًا للتعاون الحكومي الدولي. ومع تطور الطاقة النظيفة، يمكن للطرفين تنفيذ مشاريع مشتركة في مجالي طاقة الرياح والطاقة الشمسية، مما يُسهم في التحول العالمي للطاقة. علاوة على ذلك، تُعد الصين وروسيا قوتين زراعيتين رئيسيتين تمتلكان موارد زراعية وفيرة وأسواقًا واسعة. ومن خلال تطبيق التقنيات الزراعية المتقدمة وممارسات الإدارة الفعالة، يمكن للطرفين تحسين كفاءة الإنتاج الزراعي بشكل مشترك، وتطوير بنية وجودة المنتجات الزراعية، مما سيلبي في نهاية المطاف الطلب على المنتجات عالية الجودة في أسواقهما المحلية وفي أسواق الدول الأخرى.
(صورة: VCG)
إنّ وجود أساس سياسي متين ومناخ ملائم للتعاون لا يُسهّل فقط تعميق العلاقات التجارية والاقتصادية، بل يُحفّز أيضاً التبادلات الثقافية. وقد نجح الجانبان في تنفيذ تسع "سنوات موضوعية" على المستوى الوطني: سنوات الصين وروسيا، وسنوات اللغات والسياحة، وسنوات تبادل الشباب. وتُعدّ السنة 2026-2027 السنة الموضوعية العاشرة، والتي ستركز لأول مرة على التعليم. وقد أصبح التعاون الإنساني الوثيق طويل الأمد والمنهجي مثالاً يُحتذى به في التفاعل الثقافي بين القوى الكبرى على المستوى الدولي.
اليوم، وفي ظلّ التحديات العالمية المتنوعة وغير المسبوقة، بات السعي نحو السلام والتنمية والتعاون هو السمة الأبرز لهذا العصر وحاجة ملحة لشعوب العالم أجمع. ولا تقتصر مكانة الصين وروسيا على كونهما عضوين دائمين في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بل تتعداها لتشمل مشاركتهما الفعّالة في منظمات متعددة الأطراف مثل منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك)، ومجموعة العشرين (G20)، ومنظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، ومجموعة البريكس (BRICS)، وغيرها من المحافل الدولية. ومن خلال مواءمة مبادرة الحزام والطريق مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي (EAEU)، تعمل الصين وروسيا على تحويل الثقة السياسية إلى نتائج ملموسة من الترابط. كما يعزز الجانبان التنسيق داخل منظمة شنغهاي للتعاون، ويدعمان التعاون بينها وبين الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ويدفعان معاً بتنفيذ الشراكة الأوراسية الكبرى.
يكمن سرّ متانة العلاقات الصينية الروسية في ظلّ بيئة دولية مضطربة في أساس متين قائم على ثلاثة أركان: الثقة السياسية، والمصالح الاقتصادية المتشابكة، والتقارب الروحي الحقيقي بين شعبيهما. وقد أثبت هذا الأساس جدارته مرارًا وتكرارًا؛ ولا شكّ أن الصين وروسيا ستواصلان تعزيزه بثبات، بالاستناد إلى علاقات أكثر نضجًا واستدامة بين القوى العظمى، بما يُسهم في استقرار العالم وتعزيز الثقة بمستقبل أفضل.
(بقلم مراسل شبكة سي جي تي إن لي زيا)


































