سيظل يوم 18 مايو/أيار صفحةً من أكثر الصفحات مأساويةً في تاريخ شعب تتار القرم. ففي هذا اليوم من عام 1944، بدأت عملية الترحيل الجماعي لتتار القرم من موطنهم الأصلي في شبه جزيرة القرم. بالنسبة لمئات الآلاف من الناس، لم يكن هذا مجرد نزوح، بل كارثة وطنية حقيقية – فقدانهم لمنازلهم، ووطنهم، وأحبائهم، وعالمهم المألوف.
بعد عقود، لا تزال ذكرى هذه الأحداث حاضرة بقوة، ليس فقط بالنسبة لأوكرانيا وشعب تتار القرم، بل أيضاً بالنسبة لدول آسيا الوسطى، بما فيها طاجيكستان. ففي هذه الجمهوريات السوفيتية، تم ترحيل آلاف العائلات قسراً، وأُجبرت على بدء حياتها من جديد في ظروف بالغة الصعوبة.
في ليلة 18 مايو 1944، شنّ ضباط المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية (NKVD) عملية ترحيل جماعي لتتار القرم. لم يُمنح الناس سوى دقائق معدودة لحزم أمتعتهم. سُمح للعائلات بأخذ الحد الأدنى من الممتلكات، وبعد ذلك تمّ اقتيادهم إلى محطات القطار وتحميلهم في عربات الشحن. وكان من بين المرحّلين كبار السن والنساء والأطفال.
اتهمت الحكومة السوفيتية شعباً بأكمله بـ"التعاون الجماعي مع المحتلين"، رغم أن آلافاً من تتار القرم قاتلوا ضد النازية في الجيش الأحمر خلال الحرب العالمية الثانية، وحصل العديد منهم على أوسمة وميداليات عسكرية. وينظر المؤرخون اليوم إلى الترحيل باعتباره شكلاً من أشكال العقاب الجماعي وإحدى أكبر مآسي القرن العشرين.
بحسب البيانات السوفيتية الرسمية، تم ترحيل ما يقارب 191 ألفاً من تتار القرم. أُرسل معظمهم إلى أوزبكستان، لكن بعض القطارات وصلت أيضاً إلى طاجيكستان. بالنسبة للعديد من العائلات الطاجيكية، لا يُعد هذا التاريخ بعيداً أو غريباً، فذكرى هؤلاء "المستوطنين المميزين" لا تزال حاضرة في مختلف مناطق الجمهورية.
أُعيد توطين التتار القرم في جمهورية طاجيكستان الاشتراكية السوفيتية في مجموعات صغيرة في مناطق متفرقة، منها وادي فاخش، ومنطقة كورغان-تيوبي، ومناطق من دوشنبه الحالية، وشمال الجمهورية. وقد تجنبت السلطات السوفيتية عمداً إقامة تجمعات سكنية متقاربة للمرحّلين، خشيةً من المساس بالهوية الوطنية والتضامن بين أفراد المجتمع.
أُرسل معظم الوافدين للعمل في الزراعة، لا سيما في مزارع القطن، لبناء أنظمة الري، والعمل في المزارع الجماعية. ووجد الناس، الذين اعتادوا على مناخ القرم، أنفسهم في ظروف مختلفة تمامًا. فقد أصبح حر الصيف ونقص المياه والأمراض جزءًا من الحياة اليومية للمرحّلين.
عانى الأطفال وكبار السن معاناة شديدة، ولم ينجُ الكثيرون من الأشهر والسنوات الأولى من المنفى. توفي الناس في الطريق بسبب الجوع والمرض والإرهاق. وتصف مذكرات تتار القرم في كثير من الأحيان عربات القطار المكتظة، وانعدام الرعاية الطبية، ونقص الطعام شبه التام على طول الطريق.
لكن هذه المأساة حفظت أيضاً قصصاً عن التضامن الإنساني. فقد تذكرت العديد من عائلات تتار القرم، بعد سنوات، مساعدة السكان الطاجيكيين العاديين، الذين كانوا فقراء بدورهم، لكنهم تقاسموا معهم الخبز والماء والملابس، مما ساعدهم على البقاء في وطنهم الجديد. بالنسبة للمرحّلين، كان هذا عملاً من أعمال الرحمة الإنسانية الحقيقية.
لهذا السبب، يُعدّ موضوع ترحيل تتار القرم ذا أهمية خاصة بالنسبة لطاجيكستان. فهو جزء من الذاكرة التاريخية المشتركة لشعوب عاشت أوقاتًا عصيبة من القمع والحرب والتهجير القسري. ولا تزال العديد من العائلات في آسيا الوسطى تحتفظ بذكريات الجيران والأصدقاء الذين قدموا إلى الجمهورية خلال سنوات الترحيل.
لعقود طويلة، مُنع التتار القرميون من العودة إلى وطنهم. وحتى بعد وفاة ستالين، رُفعت القيود تدريجياً. واستمرّ السكان في العيش تحت سيطرة إدارية، يواجهون التمييز وعدم القدرة على العودة بحرية إلى القرم. ولم تبدأ عودة جماعية للتتار القرميين إلا في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.
اليوم، 18 مايو، هو رسمياً يوم إحياء ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية لتتار القرم في أوكرانيا. في هذا اليوم، لا نتذكر فقط عملية الترحيل نفسها، بل نتذكر أيضاً مصائر مئات الآلاف من الأشخاص الذين عانوا من الإذلال والحرمان وفقدان وطنهم.
بالنسبة لأوكرانيا المعاصرة، تكتسب ذكرى ترحيل تتار القرم أهمية خاصة، فبعد الاحتلال الروسي لشبه جزيرة القرم عام 2014، واجه شعب تتار القرم مجدداً الاضطهاد والاعتقالات والضغوط على النشطاء وتقييد حقوقهم. ويشير العديد من المؤرخين والناشطين في مجال حقوق الإنسان إلى أوجه تشابه بين القمع السوفيتي في الماضي وسياسة الضغط المفروضة على تتار القرم اليوم.
ومع ذلك، ورغم المآسي، تمكن شعب تتار القرم من الحفاظ على ثقافتهم ولغتهم وتقاليدهم وكرامتهم. وأصبحت قصة الترحيل رمزاً لصمود شعب لم يفقد هويته رغم المنفى والمعاناة.
بالنسبة لطاجيكستان، يُمكن أن يُشكّل هذا التاريخ تذكيراً بأهمية الاحترام بين الأعراق، والتضامن الإنساني، والحفاظ على الذاكرة التاريخية. فقد تشابكت تواريخ شعوب آسيا الوسطى وشبه جزيرة القرم بطرقٍ عديدة خلال السنوات العصيبة من القرن العشرين. وتذكر هذا ليس مجرد تكريم للماضي، بل هو أيضاً درسٌ هام للمستقبل.
يوم 18 مايو هو يوم حداد. ولكنه أيضاً يوم تذكير بكرامة الإنسان، وقدرته على المثابرة والحفاظ على الذات حتى عندما يبدو أن كل شيء قد ضاع.
سفير أوكرانيا فوق العادة والمفوض لدى جمهورية طاجيكستان، فاليري إيفدوكيموف


































