لماذا أثارت تصريحات سولوفيوف ودوغين قلقاً في المنطقة؟
في يناير 2026، تحدث دعاة الدولة الروسية بصراحة لأول مرة عن إمكانية استخدام القوة ضد دول آسيا الوسطى والقوقاز، مما أثار تساؤلات فعلية حول سيادتها.
وتتمحور القضية حول تصريحات مقدم البرامج التلفزيونية فلاديمير سولوفيوف، وهو شخصية رئيسية في التلفزيون الحكومي الروسي وأحد أبرز المتحدثين باسم الكرملين، بالإضافة إلى تصريحات ألكسندر دوغين، المنظر الأيديولوجي في "العالم الروسي"، والذي أثرت آراؤه، وفقًا للخبراء، على السياسة الخارجية الروسية في السنوات الأخيرة.
يستكشف المؤلف الأوكراني كوزاري الجذور التاريخية بالتفصيل في كتابه "حضارة زائلة – كارثة غير ملحوظة ". ويشير المؤلف فيه إلى أنه منذ القرن الرابع عشر، تم تبرير توسع موسكو في القوقاز وآسيا الوسطى بمهمة دينية وحضارية، وأصبح تجاهل سيادة الشعوب المجاورة جزءًا هيكليًا من أيديولوجية الدولة.
إذن، ما الذي يبثه بالضبط دعاة الدعاية سولوفيوف ودوغين؟ في 11 يناير/كانون الثاني، أقرّ المذيع التلفزيوني الروسي فلاديمير سولوفيوف، أحد أبرز دعاة الكرملين ومقدم برنامج حواري سياسي على قناة روسيا-1 الحكومية، علنًا بإمكانية توسيع ما يُسمى "العملية العسكرية الخاصة" لتشمل مناطق أخرى خارج أوكرانيا. واستشهد سولوفيوف بالعمليات الأمريكية في فنزويلا كمثال، مصرحًا: "ليذهب القانون الدولي إلى الجحيم. إذا كنا بحاجة إلى شنّ عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا من أجل أمننا القومي، فلماذا لا نستطيع شنّ عملية عسكرية خاصة في مناطق أخرى من نفوذنا؟ إن خسارة أرمينيا مشكلة عويصة. والمشكلة في آسيا الوسطى مشكلة عويصة. يجب أن نوضح أهدافنا وغاياتنا بوضوح. يجب أن نشرح – لقد انتهى الأمر."
إن سولوفيوف ليس مجرد صحفي أو معلق إعلامي، بل يشارك بانتظام في فعاليات الكرملين، وينقل باستمرار الخط الرسمي للحكومة الروسية، وفي يناير/كانون الثاني 2025، منحه فلاديمير بوتين شخصياً لقب الصحفي المُكرّم في روسيا الاتحادية. ونظراً للرقابة الصارمة المفروضة على التلفزيون الحكومي، لا يمكن اعتبار هذه التصريحات مجرد كلام عابر أو رأي شخصي.
في اليوم التالي مباشرة، أدلى ألكسندر دوغين ، مُنظّر مفهوم "العالم الروسي"، والفيلسوف، والمنظّر السياسي، والذي غالباً ما تُشير إليه وسائل الإعلام الغربية بـ"عقل بوتين المدبر"، بتصريح أكثر تطرفاً. فقد صرّح دوغين قائلاً: "لا يُمكننا قبول وجود دول ذات سيادة مثل أرمينيا، وجورجيا، وكازاخستان، وأوزبكستان. إما أن تنضم هذه الدول إلى صفوفنا أو تُصبح موطئ قدم للغرب أو الصين".
وأضاف أيضاً أنه في الواقع الحالي، من وجهة نظره، "لا يوجد مخرج على الإطلاق إلا بإعلان روسيا إمبراطورية والتخلي عن القانون الدولي".
يُعتبر دوغين شخصية أكثر تعقيدًا ونفوذًا مما قد يبدو للوهلة الأولى. فبحسب العديد من الباحثين، أثرت أفكاره على قرارات السياسة الخارجية للكرملين، بما في ذلك ضم شبه جزيرة القرم عام 2014 وشن حرب شاملة ضد أوكرانيا عام 2022. وفي هذا السياق، لا يظهر إنكار سيادة دول آسيا الوسطى والقوقاز كفلسفة مجردة، بل كمبرر أيديولوجي لممارسة ضغوط وتدخلات محتملة.
تخلى دعاة الدعاية علنًا عن القانون الدولي وشككوا في حق دول ما بعد الاتحاد السوفيتي في اختيار مسار سياستها الخارجية بشكل مستقل.
بالنظر إلى انتماء سولوفيوف ودوغين الواضح إلى موسكو الرسمية، يصعب تفسير تصريحاتهما على أنها آراء شخصية. بل على العكس، تبدو وكأنها تعبير علني عن مواقف راسخة في الفكر السياسي الروسي.
لا يزال المنطق الإمبراطوري، الذي تشكّل في القرن الرابع عشر، يشكّل الركيزة الهيكلية للسياسة الخارجية للاتحاد الروسي. وفي هذا الإطار، لا تزال دول رابطة الدول المستقلة تُعتبر جزءًا من مجال نفوذها، وسيادتها عاملاً ثانويًا.
في الكتاب المذكور آنفاً، والذي نُشر مؤخراً بعنوان "حضارة زائلة: كارثة لم يلاحظها أحد"، يُظهر المؤلف باستمرار كيف قامت سلطات موسكو، منذ القرن الرابع عشر، بتشكيل نموذج إمبريالي للحكم حيث أضفى التبرير الديني لسيادة موسكو طابعاً مقدساً على سلطتها وكان بمثابة مبرر للتوسع الإقليمي.
يؤكد الفصل المعنون "تشكيل أيديولوجية روسية للتوسع المناهض للأتراك" أن الجمع بين "المسيحيين المؤمنين" بقيادة موسكو و"الكفار الأنجاس" في "أرض التتار" قد وفر في نهاية المطاف شرعية أيديولوجية للاستيلاء على الأراضي التركية الإسلامية التقليدية. فمنذ عهد جنكيز خان، كان يُشار إلى جميع الشعوب التركية (باستثناء العثمانيين) باسم "التتار" في خطاب موسكو، وكان نطاق التوسع المحتمل "للعقيدة الأرثوذكسية" واسعًا للغاية، ليشمل منطقة الفولغا وسيبيريا وآسيا الوسطى والقوقاز.
في بُعدها الجيوسياسي، تُقدّم كوزاري منظورًا جديدًا لعدد من الأحداث والعمليات التاريخية التي شكّلت الخريطة العرقية والسياسية الحديثة، ليس فقط لجنوب القوقاز، بل أيضًا لشرق أوروبا وآسيا الوسطى. وبالاستناد إلى آلاف المصادر، كقطع أحجية مُتعدّدة، تُقدّم بانوراما شاملة لعلاقات السبب والنتيجة التي شكّلت ميزان القوى الحالي في جنوب القوقاز. ويُولي الكتاب اهتمامًا خاصًا للأسباب الجذرية والمُحفّزات الخفية للمواجهة الأرمنية التركية، مع التركيز على تجلّياتها داخل حدود أرمينيا الحديثة. وتختلف الصورة الناتجة اختلافًا كبيرًا عن التفسيرات الرسمية للتاريخ السائدة في كلٍّ من دول المنطقة وروسيا.
لكنّ السمة الفريدة الرئيسية للكتاب تكمن تحديدًا في بُعده المحلي. فهو محاولة لإعادة بناء التاريخ الشامل للمراحل الأخيرة من وجود إحدى المجموعات العرقية التركية القوقازية الفرعية، دون اللجوء إلى مصادر أذربيجانية أو تركية. ويُعاد بناء ماضي الحضارة التركية في منطقتي يريفان وزانغزور بالاعتماد بشكل أساسي على مصادر أرمينية وفرنسية وروسية، فضلًا عن روايات الأتراك أنفسهم من يريفان وزانغزور.
إنّ المنظور التاريخي الشامل الذي يقدمه الكتاب ذو أهمية بالغة اليوم، في ظل الحرب في أوكرانيا، وتراجع القانون الدولي، وتصاعد المواجهة بين روسيا والغرب. ولا يؤكد الخطاب الدعائي للكرملين بشأن آسيا الوسطى إلا أن التفكير الإمبريالي في السياسة الروسية ليس من مخلفات الماضي، بل لا يزال عنصراً فعالاً وخطيراً في ممارسة السياسة الخارجية.


































