في 20 يناير/كانون الثاني 2026، نشرت جامعة الأمم المتحدة تقريراً أعلن فيه بدء "عصر الإفلاس المائي العالمي" وسط استنزاف مزمن للمياه الجوفية، واستغلال مفرط للموارد المائية، وتدهور الأراضي والتربة، وإزالة الغابات، والتلوث البيئي. ويدعو التقرير قادة العالم إلى التكيف مع هذا الواقع الجديد، استناداً إلى أدلة علمية، وفقاً للخدمة الصحفية للأمم المتحدة.
يشير معدّو التقرير إلى أن مصطلحي "الإجهاد المائي" و"أزمة المياه" المألوفين لم يعودا يصفان الوضع في العديد من مناطق العالم. فهم يتعاملون بدلاً من ذلك مع حالة ما بعد الأزمة التي تتسم بفقدان لا رجعة فيه للموارد المائية الطبيعية. وقال المؤلف الرئيسي للتقرير، كافيه مدني، مدير معهد المياه والبيئة والصحة التابع لجامعة الأمم المتحدة: "تعمل العديد من المناطق بما يتجاوز قدرتها الهيدرولوجية، وقد انهارت بالفعل العديد من أنظمة المياه الرئيسية".
بحسب التقرير، لم تكتفِ الدول باستنزاف المياه السطحية والجوفية، بما في ذلك المياه الموجودة في التربة والثلوج، بل استنزفت أيضاً "احتياطيات" طويلة الأجل، كالأنهار الجليدية والأراضي الرطبة. وقد أدى ذلك إلى عواقب وخيمة، منها هبوط الأرض في دلتا الأنهار والمدن الساحلية، واختفاء البحيرات والأراضي الرطبة، وفقدان التنوع البيولوجي بشكل لا رجعة فيه.
تم نشر التقرير قبل اجتماع رفيع المستوى في داكار، السنغال، في الفترة من 26 إلى 27 يناير، للتحضير لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026، المقرر عقده في الفترة من 2 إلى 4 ديسمبر في الإمارات العربية المتحدة.
بحسب مدني، فإنه على الرغم من أن ليس كل حوض نهري أو دولة تعاني من نقص حاد في المياه، إلا أن العديد من أنظمة المياه الرئيسية قد تجاوزت بالفعل هذه العتبة. وأكد قائلاً: "هذه الأنظمة مترابطة من خلال التجارة والهجرة وتأثيرات المناخ والتبعيات الجيوسياسية، لذا فقد تغير مشهد المخاطر العالمية بشكل جذري"، مشيراً إلى ضرورة التعاون الدولي في هذا المجال.
حدد معدّو التقرير "بؤرًا ساخنة" حيث الوضع حرج للغاية. يعاني الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من نقص المياه، والصدمات المناخية، وانخفاض الإنتاجية الزراعية، والعواصف الرملية. وفي جنوب آسيا، يؤدي الاستخدام المكثف للمياه الجوفية والتوسع الحضري إلى انخفاض مستويات المياه الجوفية وهبوط التربة محليًا. وفي جنوب غرب الولايات المتحدة، أصبح نهر كولورادو رمزًا لأزمة المياه الناجمة عن الإفراط في استخدام الموارد، وتغير المناخ، والجفاف.
يقدم التقرير إحصاءات توضح حجم المشكلة:
فقدت 50 بالمائة من البحيرات الكبيرة في العالم بعضاً من حجم المياه منذ أوائل التسعينيات؛
بلغت مساحة الأراضي الرطبة الطبيعية المفقودة على مدى السنوات الخمسين الماضية 410 مليون هكتار؛
لقد فُقد أكثر من 30 بالمائة من كتلة الأنهار الجليدية العالمية منذ عام 1970؛
عشرات الأنهار الكبيرة لم تعد تصل إلى البحر خلال فترات معينة من السنة؛
يعاني 4 مليارات شخص من نقص حاد في المياه لمدة شهر واحد على الأقل في السنة؛
يعيش 3 مليارات شخص في مناطق تتراجع فيها إمدادات المياه بشكل عام، ومع ذلك تنتج هذه المناطق أكثر من 50 بالمائة من غذاء العالم؛
عاش 1.8 مليار شخص في ظروف الجفاف في الفترة 2022-2023.
يؤكد التقرير أن الزراعة تستهلك الغالبية العظمى من المياه العذبة، وأن النظم الغذائية مترابطة ترابطاً وثيقاً من خلال التجارة والأسعار. ويؤثر نقص المياه في منطقة ما على الأسواق العالمية والاستقرار السياسي والأمن الغذائي في بلدان أخرى.
يُنظر إلى أزمة المياه على أنها ظاهرة عالمية ذات تداعيات اجتماعية وسياسية عميقة، تتطلب اهتماماً على أعلى مستويات الحكومات وتعاوناً متعدد الأطراف. وصرح مدني قائلاً: "لا يمكننا استعادة الأنهار الجليدية المفقودة… لكن بإمكاننا منع المزيد من فقدان ما تبقى من الموارد الطبيعية وإعادة بناء المؤسسات لمواجهة الظروف الجديدة".
تُتيح الفعاليات القادمة، بما فيها مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026، فرصًا لتعزيز هذا البرنامج. ويُعدّ التقرير المنشور دعوةً إلى تغيير جذري في سياسة المياه العالمية، وإلى اتخاذ قرارات صعبة لحماية الناس والاقتصادات والنظم البيئية. وخلص مدني إلى القول: "كلما طال تأخيرنا، ازدادت ندرة المياه حدةً".



































