ناقشت الدول الأوروبية إمكانية نشر قوة متعددة الجنسيات في أوكرانيا لضمان أمن البلاد وإعادة إعمارها بعد انتهاء الأعمال العدائية، لكن لا تزال هناك تساؤلات مهمة حول استعداد الولايات المتحدة لدعم هذه القوات في حالة وجود تهديدات من روسيا.
رغم التزام فرنسا والمملكة المتحدة كتابيًا بإرسال قوات إلى أوكرانيا عقب اتفاق السلام، لا يزال موقف الولايات المتحدة من دعم هذه القوات غامضًا. وقد أثار حضور المبعوثين الرئاسيين الأمريكيين، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، اجتماعًا للحلفاء الأوروبيين في باريس لبحث الضمانات الأمنية لأوكرانيا، آمالًا بإمكانية الاستماع إلى الاتحاد الأوروبي في واشنطن، على الرغم من الخلاف المستمر حول تهديدات الولايات المتحدة بضم غرينلاند.
قال ستيف ويتكوف، واقفاً إلى جانب قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا وأوكرانيا في القصر الرئاسي في باريس: "لقد أنجزنا إلى حد كبير البروتوكولات الأمنية". وأضاف: "هذا أمر مهم لضمان أن تنتهي هذه الحرب إلى الأبد عندما تنتهي".
وقّعت فرنسا والمملكة المتحدة وأوكرانيا هذا الأسبوع إعلان نوايا بشأن نشر قوة متعددة الجنسيات لدعم دفاع أوكرانيا وإعادة إعمارها وتعزيز قدرتها الاستراتيجية على الصمود. وأشار الخبراء إلى أن الصيغة المكتوبة للوثيقة تجعلها ضمانة أكثر صلابة ورسمية لأوكرانيا.
أعلن المستشار الألماني فريدريش ميرز، يوم الثلاثاء، عن احتمال مشاركة ألمانيا ونشر قوات مسلحة على أراضي دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) المتاخمة لأوكرانيا، وذلك بعد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار. وأعرب رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، لأول مرة، عن استعداده لإرسال قوات إلى أوكرانيا ضمن مهمة لحفظ السلام.
أُطلق هذا الاسم على القوة متعددة الجنسيات لكي تتمكن الدول الأوروبية وغير الأوروبية من الانضمام إليها، كما أشار جاكوب فونك كيركيغارد من مركز الأبحاث "بروجيل" في بروكسل. وأضاف: "قد تشمل الدول المشاركة المحتملة أستراليا وتركيا، التي تُعدّ لاعباً رئيسياً في البحر الأسود".
عُقد اجتماع "تحالف الراغبين" في السادس من يناير/كانون الثاني في باريس، وحضره نحو 30 دولة تقدم مساعدات لأوكرانيا وتبدي استعدادها لتقديم ضمانات أمنية. وأعلن التحالف عن خطط للمساعدة في بناء تحصينات دفاعية داخل أوكرانيا، دون الكشف عن التفاصيل.
بحسب الخبراء، قد تكون هذه التحصينات مماثلة لتلك التي تُبنى في دول الناتو القريبة من روسيا، بما في ذلك زرع ألغام إضافية وأسلاك شائكة. كما أعرب قادة التحالف عن استعدادهم للمشاركة في آلية مراقبة وتحقق وقف إطلاق النار بقيادة الولايات المتحدة، باستخدام معدات تشمل الطائرات المسيّرة وأجهزة الاستشعار والأقمار الصناعية.
وأشار البيان إلى أن القوات المسلحة الأوكرانية ستظل خط الدفاع الأول، بينما ستؤدي القوات الأوروبية في المقام الأول وظائف تعليمية ولن تشارك في العمليات القتالية.
ومع ذلك، يؤكد الخبراء والسياسيون أن تفاصيل الانتشار لا تزال غامضة. وقد أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إمكانية إرسال "عدة آلاف" من الجنود، لكن الحصول على موافقة البرلمان على تمويل دعم القوات في الخارج قد يكون أمراً صعباً.
تواجه المملكة المتحدة تحديات مماثلة: فقد صرّح رئيس الوزراء كير ستارمر، الذي وقّع على الإعلان، بأن عدد القوات سيُحدد وفقًا للخطط العسكرية، معتمدًا على دعم البرلمان. ويشير الخبراء إلى أن المملكة المتحدة لا تملك سوى جزء صغير من قواتها جاهزًا للانتشار في أي لحظة.
في ألمانيا، يجب أن يحظى اقتراح نشر القوات بموافقة البرلمان الألماني (البوندستاغ). أما الأعضاء الآخرون في "تحالف الراغبين" فلم يكشفوا بعد عن مساهمتهم المحددة، مؤجلين البت فيها إلى حين إبرام السلام.
أشار الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى أن مسألة استعداد جميع شركاء التحالف للرد بحزم على أي هجوم روسي جديد لا تزال مطروحة. وصرح قائلاً: "إلى حين إقرار البرلمانات والكونغرس الأمريكي للضمانات الأمنية، لا يمكننا الجزم بمدى استعداد شركائنا للدفاع عنا".
لا يزال الموقف الأمريكي غير الواضح العائق الرئيسي أمام إرسال القوات الأوروبية. فبحسب المؤرخ والعقيد النمساوي ماركوس رايزنر، يستحيل إقامة وجود عسكري أوروبي واسع النطاق في أوكرانيا دون ضمانات من الدعم الأمريكي. وأكد قائلاً: "بدون التزام أمريكي، لن تكون أوروبا مستعدة للمضي قدماً. يجب على الولايات المتحدة أن تتحمل الالتزامات المترتبة على ذلك".
أشار رايزنر إلى أن هذا الدعم ذو أهمية خاصة في ظل اعتبار روسيا للجنود الغربيين في أوكرانيا أهدافاً عسكرية محتملة. كما أشار إلى أن سمعة الولايات المتحدة بين حلفائها الأوروبيين في أعقاب تحركاتها الأخيرة في فنزويلا تثير تساؤلات حول مصداقية التزاماتها المستقبلية.
أكد الخبير أن فعالية جميع الضمانات تعتمد على الثقة المتبادلة بين الشركاء. وفي ظل الوضع السياسي الراهن، لا تزال رغبة الولايات المتحدة في الالتزام غير مؤكدة، كما أن التعاون مع إدارة ترامب ينطوي على مخاطر غير متوقعة.


































