عادت مكانة غرينلاند الاستراتيجية لتتصدر الأجندة الدولية مجدداً، وذلك في أعقاب تصريحات أمريكية حول إمكانية توسيع نفوذها في الإقليم الدنماركي ذي الحكم الذاتي، بما في ذلك وجود عسكري. ويتضح ذلك من خلال التقارير الإعلامية وتصريحات الممثلين الرسميين للمنظمات الدولية، وفقاً للخدمة الصحفية للأمم المتحدة.
أبدت الولايات المتحدة اهتمامًا بغرينلاند في مناسبات عديدة، إلا أن هذا الاهتمام ازداد بشكل ملحوظ في عهد الرئيس دونالد ترامب. وقد أثارت تصريحات البيت الأبيض الأخيرة، التي أشارت إلى عدم استبعاد التدخل العسكري، مخاوف في كل من الدنمارك والعديد من الدول الأوروبية، مما يثير تساؤلات حول استدامة التعاون عبر الأطلسي. وفي هذا السياق، أكد الممثل الرسمي للأمين العام للأمم المتحدة مجددًا على مبدأ السلامة الإقليمية واستقلال الدول، بما فيها الدنمارك.
تتمتع غرينلاند بتاريخ طويل ومعقد. سكن شعب الإنويت الأصلي الجزيرة لآلاف السنين دون وجود مؤسسات دولة. وُجدت مستعمرات نرويجية وأيسلندية صغيرة في غرينلاند من القرن الحادي عشر إلى القرن الخامس عشر، ثم تلاشت تدريجيًا. وفي القرن الثامن عشر، سيطرت الدنمارك على الجزيرة.
خلال الحرب العالمية الثانية، احتلت الولايات المتحدة غرينلاند، وحافظت لاحقاً على وجود عسكري فيها. وفي عام 1946، عرضت الولايات المتحدة سراً على الدنمارك 100 مليون دولار من الذهب مقابل أكبر جزيرة في العالم، لكن الدنمارك رفضت العرض.
خلال الحرب الباردة، كانت غرينلاند ذات أهمية استراتيجية للولايات المتحدة، إذ وفرت لها السيطرة على الممرات البحرية التي تربط موانئ القطب الشمالي السوفيتية بالمحيط الأطلسي، كما شكلت موقعًا لنشر أنظمة الإنذار المبكر لإطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات. وقد منحت اتفاقية عام 1951 الجيش الأمريكي حقوقًا واسعة في الجزيرة، وعملت عشرات القواعد الأمريكية هناك خلال تلك الفترة. واليوم، لم يتبق في غرينلاند سوى قاعدة بيتوفيك، التي تلعب دورًا محوريًا في منظومة الدفاع الصاروخي الأمريكية.
في عام ٢٠٠٨، أُجري استفتاء على الحكم الذاتي في غرينلاند، وفي ٢٠ مايو/أيار ٢٠٠٩، أقر البرلمان الدنماركي قانونًا يمنح الجزيرة استقلالًا ذاتيًا موسعًا. وفي العام نفسه، أصبحت اللغة الغرينلاندية اللغة الرسمية، لتحل محل اللغة الدنماركية، ومُنحت السلطات المحلية حق إدارة الموارد الطبيعية. اعترفت الدنمارك قانونيًا بالغرينلانديين كشعب مستقل له الحق في السيادة، إلا أن الاستقلال الكامل كان سيتطلب زيادة كبيرة في إيرادات الجزيرة، إذ كان سيعني فقدان بعض الإعانات الدنماركية.
على الرغم من مساحتها الشاسعة، فإن غرينلاند شبه خالية من السكان: يبلغ عدد سكان الجزيرة حوالي 57 ألف نسمة، ويغطي الجليد حوالي 80% من أراضيها. وتُعد الكثافة السكانية في الجزيرة من بين الأدنى في العالم.
تزخر غرينلاند بموارد معدنية هائلة، تشمل المعادن الأرضية النادرة والليثيوم والكوبالت والذهب والياقوت والنيكل والنحاس. إلا أن قطاع التعدين فيها لا يزال متخلفاً بسبب قسوة المناخ، وبعد الجزيرة، وارتفاع تكاليف العمالة، ونقص البنية التحتية، واللوائح البيئية الصارمة. ويُحظر استخراج النفط والغاز، ولم تُثمر الجهود الصينية حتى الآن عن أي مشاريع كبيرة في هذا المجال.
بحسب استطلاع رأي أجري عام 2025، فإن غالبية سكان الجزيرة – حوالي 85 بالمائة – يعارضون الانضمام إلى الولايات المتحدة.


































