تشهد آسيا الوسطى تغيرات ديموغرافية عميقة ستشكل مستقبلها الاقتصادي والاجتماعي في العقود المقبلة. ووفقًا للتقرير الإقليمي "جيل 2050 في آسيا الوسطى"، الذي أُعدّ بدعم من منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، فإن أكثر من نصف سكان خمس دول هي كازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وتركمانستان، وأوزبكستان، هم الآن دون سن الثلاثين. هذا ما أوردته دائرة الصحافة التابعة للأمم المتحدة.
هذا يُتيح فرصةً فريدةً لجني "عائدٍ ديموغرافي": فزيادة نسبة السكان في سن العمل قد تُؤدي إلى نموٍّ اقتصاديٍّ مُتسارع. إلا أن هذه الفرصة لا تُغتنم إلا من خلال استثمارٍ كبيرٍ في رأس المال البشري.
منطقة شابة في عالم يتقدم في السن بسرعة
في ظل شيخوخة السكان العالمية، تظل آسيا الوسطى من أصغر المناطق سنًا في أوراسيا. ففي طاجيكستان، يبلغ متوسط العمر 22 عامًا فقط، وفي قيرغيزستان 25 عامًا، وفي أوزبكستان 27 عامًا. وحتى بحلول عام 2050، ستظل هذه الأرقام منخفضة نسبيًا، مما يزيد من فرص النمو الاقتصادي.
يواصل عدد سكان المنطقة نموه: من 56 مليون نسمة عام 2000، ارتفع إلى أكثر من 84 مليون نسمة بحلول عام 2025، وسيصل إلى ما يقارب 112 مليون نسمة بحلول منتصف القرن. تشهد طاجيكستان وأوزبكستان نموًا سكانيًا سريعًا بشكل خاص: سيزداد عدد سكان طاجيكستان بنحو 5 ملايين نسمة بحلول عام 2050، بينما سيزداد عدد سكان أوزبكستان بأكثر من 15 مليون نسمة. كما يتزايد عدد النساء في سن الإنجاب، محافظًا على استقرار معدلات المواليد رغم انخفاضها التدريجي.
الاستثمارات في رأس المال البشري
يدعو التقرير إلى الاستثمار في التعليم والرعاية الصحية وتنمية مهارات جيل الشباب. ويكتسب هذا أهمية خاصة في آسيا الوسطى، حيث لا تزال دول المنطقة تعاني من نقص رأس المال البشري.
وبحسب البنك الدولي، فإن الأطفال الذين يولدون في المنطقة اليوم لن يحققوا سوى 50-60% من إمكاناتهم الإنتاجية بسبب محدودية فرص الحصول على التعليم الجيد والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية.
ويحذر مؤلفو التقرير من أن المنطقة قد تواجه خطر ارتفاع معدلات البطالة، وتزايد التفاوت، وفقدان الإمكانات الاقتصادية إذا ظل الاستثمار في الأطفال والشباب عند مستواه الحالي.
فترة حرجة
يوجد اليوم ما يقارب 60 مُعالاً لكل 100 شخص في سن العمل في آسيا الوسطى، وهو رقم منخفض تاريخياً، وسيبدأ بالارتفاع بعد عام 2040 بسبب شيخوخة السكان. هذا يعني أن السنوات العشر إلى الخمس عشرة القادمة حاسمة: فبدون تحديث أنظمة التعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية الآن، سيظل النمو الاقتصادي محدوداً لعقود قادمة.
تُشكّل الهجرة تحدياتٍ خاصة. يعمل ملايين من سكان طاجيكستان وقيرغيزستان وأوزبكستان في الخارج، وينشأ أطفالهم منفصلين عن والديهم، مما يؤثر على سلامتهم النفسية وأدائهم الأكاديمي وتكيفهم الاجتماعي. في السنوات القادمة، سيعود العديد من المهاجرين إلى أوطانهم عند سن التقاعد، مما يزيد العبء على الخدمات الاجتماعية.
المستقبل الحضري: فرصة أم مخاطرة؟
بحلول منتصف القرن، سيعيش 60.5% من سكان المنطقة في المدن. إلا أن تطوير البنية التحتية – إمدادات المياه والصرف الصحي والنقل والرعاية الصحية – لم يواكب النمو الحضري بعد. ويتجلى هذا بشكل خاص في المناطق سريعة النمو في طشقند ودوشانبي وبيشكيك.
يُفاقم عامل المناخ الوضع أيضًا: فالجفاف وذوبان الأنهار الجليدية ونقص المياه يؤدي بالفعل إلى نزوح السكان وزيادة الضغط على المناطق الحضرية. كما تشهد كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان موجات حر متزايدة، تُهدد الصحة والاقتصاد.
الاستثمار من أجل المستقبل
يؤكد الخبراء أن ثلثي النمو الاقتصادي المستقبلي سيأتي من الاستثمار في رأس المال البشري. وهذا يعني:
– الوصول إلى التعليم الجيد منذ سن مبكرة؛
– تزويد الأطفال والمراهقين بالطب الحديث والتغذية الصحية؛
– أنظمة الحماية الاجتماعية التي تدعم الأسر؛
– برامج التوظيف والتدريب للشباب، بما في ذلك الفتيات والشابات؛
– توسيع نطاق الوصول إلى المياه والصرف الصحي والبيئة الحضرية الآمنة.
وإذا تم تنفيذ هذه التدابير، فسوف تتمكن آسيا الوسطى من الاستفادة من أعظم أصولها: جيل شاب نشيط وواسع العدد، والذي سيشكل المنطقة في عام 2050.


































