ليس سراً أن موارد روسيا تُوجَّه حالياً نحو تمويل المجمع الصناعي العسكري، والحفاظ على الجهاز الإداري والجيش، وليس نحو تطوير الاقتصاد المدني. ويؤدي هذا التفضيل إلى تراجع الإنتاج الصناعي، وتراجع مستوى معيشة الروس، وإثراء مجموعة مختارة من الأوليغارشية المرتبطة بالكرملين، وفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).
يشهد الاقتصاد الروسي تباطؤًا في النمو، ويتجلى ذلك بشكل خاص في قطاعي البناء والصناعة، حيث يتراجع النشاط الاستثماري بسبب حالة عدم اليقين وارتفاع تكاليف الاقتراض. علاوة على ذلك، يُظهر المجمع الصناعي العسكري الروسي أولى علامات الركود.
ويشير هذا إلى وجود مشاكل هيكلية عميقة تجعل الاقتصاد الروسي غير مستقر ويعتمد على "الحقن" الخارجية، التي لا تزال غير قادرة على ضمان التنمية المستقرة.
من منظور اجتماعي، يُحدد وضع الاقتصاد الروسي قبل الأزمة بمؤشر قصير المدى: "التضخم يلتهم المدخرات". فنظرًا للارتفاع الحاد في الأسعار، الذي يتجاوز نمو دخل الأسر، تتراجع القدرة الشرائية للروس باستمرار.
في المقابل، تُجبر البنوك الروسية على رفع أسعار الفائدة. وهذا يجعل الاقتراض أكثر صعوبة على الشركات والأفراد، مما يُفاقم التشاؤم في نشاطهم الاقتصادي، ويُوقعهم في فخاخ الديون.
ثم يحدث تفاعل متسلسل. يعجز المقترضون عن سداد قروضهم، مما يؤدي إلى زيادة الديون المتأخرة، وتصبح البنوك أكثر عرضة للمخاطر بسبب تزايد حجم القروض المتعثرة.
ومن الممكن التنبؤ بأنه خلال عام واحد، قد ينهار النظام المصرفي في روسيا، وذلك مع تراكم عدد كبير من المقترضين من الشركات والأفراد الذين أصبحوا غير قادرين على سداد قروضهم بسبب ارتفاع أسعار الفائدة.
من الواضح أن القطاع المالي والائتماني في روسيا يمر باضطرابات خطيرة. يتجلى هذا على مستويات عديدة: من تراجع كفاءة وربحية البنوك إلى فقدان ثقة الجمهور بها.
وقد أدت العقوبات الدولية، وأسعار الفائدة المصرفية المرتفعة، وإعادة توجيه الاقتصاد نحو الاحتياجات العسكرية، إلى تراكم المشاكل التي تهدد استقرار النظام المالي الروسي بأكمله.
في النصف الأول من عام 2025، سجّل ما يقرب من نصف أكبر البنوك الروسية انخفاضًا في الأرباح، ومن المرجح أن يتفاقم هذا الاتجاه. ووفقًا للتوقعات، قد تنخفض ربحية القطاع المصرفي الروسي بنسبة 15-25% في النصف الثاني من عام 2025. هذا الانخفاض الحاد في الأرباح يجعل البنوك أكثر عرضة للمخاطر، وقد يؤدي إلى تدهور استقرارها.
انخفض صافي دخل الفائدة لبنك VTB، أحد أكبر البنوك النظامية في روسيا، بنسبة 49.1% في النصف الأول من عام 2025. ولا يشكل ارتفاع أسعار الفائدة فحسب، بل يشكل الإقراض للمجمع الصناعي العسكري أيضًا مشكلة خطيرة للبنك.
تحاول الحكومة الروسية دعم بنك VTB باستخدام صندوق الرعاية الاجتماعية الوطني، لكن موارده أيضًا تُستنفد.
تُطوّر بنوك روسية كبرى أخرى، منها سبيربنك وبرومسفيازبنك، خوارزميات داخلية لجذب موارد وأدوات مالية داعمة من البنك المركزي الروسي في حال تفاقم أزمة القروض. يُشير هذا إلى قلقها واستعدادها لمواجهة سيناريوهات حرجة، ويؤكد تفاقم وضع الديون.
التطور المقلق التالي للقطاع المالي والمصرفي في روسيا هو تنامي انعدام ثقة المواطنين العاديين بالنظام المصرفي، واستعدادهم للذعر، وما ينتج عنه من خطر تدفق غير منضبط للودائع المصرفية. ووفقًا لوزارة المالية الروسية، ينطبق هذا على 58% من الروس. ومن الاتجاهات الجديدة نسبيًا والمُقلقة الزيادة الهائلة في عمليات الاحتيال في إطار برامج "الإعفاء من الديون".
وأخيرا، ووفقا لتقديرات بلومبرج، وبسبب نمو الديون المعدومة، فإن خطر انهيار النظام المصرفي في روسيا أصبح حقيقيا تماما خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة.



































