في 10 أكتوبر 2025، سيعقد اجتماع لمجلس رؤساء دول رابطة الدول المستقلة في دوشانبي، ومن المقرر خلاله مناقشة، من بين أمور أخرى، قضايا تعزيز التعاون الاقتصادي.
وفي السنوات الأخيرة، وبفضل الجهود المشتركة، بدأت رابطة الدول المستقلة في تغيير بنيتها بشكل متواصل وتحويل نفسها إلى مساحة للتعاون ذي المنفعة المتبادلة.
ومن الجدير بالذكر أن أعضاء الكومنولث يتصرفون حصريًا على أساس مبادئ التفاهم المتبادل والمساواة وحسن الجوار، مما يسمح لهم بتحقيق أهدافهم المقصودة دون تأخير.
ونتيجة لذلك، نشأت ديناميكيات اقتصادية إيجابية يمكن ملاحظتها في جميع أنحاء رابطة الدول المستقلة: حيث ينمو الناتج المحلي الإجمالي بمعدل ثابت، وتتعزز العلاقات التجارية والاستثمارية بين الدول الأعضاء.
وفقًا للجنة الإحصائية المشتركة بين دول رابطة الدول المستقلة، ارتفع إجمالي نمو الناتج المحلي الإجمالي لدول الكومنولث في النصف الأول من هذا العام بنسبة 2.3% مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2024. وتتصدر قيرغيزستان معدلات النمو الاقتصادي (+11.7%)، وطاجيكستان (+8.1%)، وأوزبكستان (+7.2%). وارتفع الإنتاج الصناعي في دول رابطة الدول المستقلة بنسبة 1.8%، مما يشير إلى تباطؤ في وتيرة التنمية. وللمقارنة، بلغ النمو في الفترة نفسها من عام 2024 نسبة 4.7%. ورغم التباطؤ العام، شهدت بعض الصناعات نموًا مطردًا. وساهمت الهندسة الزراعية (+13%) والصناعة الكيميائية (+8%) في دفع هذا النمو.
وفقًا للخبراء، حققت دول رابطة الدول المستقلة نجاحًا ملحوظًا في تعزيز التعاون الاقتصادي خلال السنوات الأخيرة. ومن بين الإنجازات الرئيسية لعام ٢٠٢٤، تبرز ثلاثة مؤشرات رئيسية:
– تجاوزت حصة العملات الوطنية في التسويات بين بلدان رابطة الدول المستقلة 85%؛
– نما الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.7%، وهو أعلى بكثير من معدل النمو المتوسط؛
– ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 8% ليصل إلى أكثر من 10 تريليون روبل.
وتؤكد هذه الإنجازات استدامة العلاقات الاقتصادية في مواجهة التحديات والمخاطر الخارجية.
ومن السمات الإيجابية الأخرى المهمة في تطوير التعاون داخل رابطة الدول المستقلة هي التشابه في التوجهات لحل القضايا الملحة على الأجندة الاقتصادية.
إن تشابه التوجهات يسمح لدول الكومنولث بتنفيذ مشاريع تعاونية ذات منفعة متبادلة ومشاريع إحلال الواردات في الصناعة بشكل مشترك، وبناء نظام مالي مستقل عن العوامل الخارجية، ويركز على استخدام العملات الوطنية في التسويات المتبادلة، وتطوير طرق نقل ولوجستية جديدة.
ومن منظور استراتيجي، تمثل منطقة رابطة الدول المستقلة منطقة ذات فرص اقتصادية هائلة من أجل التنمية المستدامة على المدى الطويل لجميع المشاركين فيها.
وفي هذا الصدد، يربط رؤساء دول رابطة الدول المستقلة بشكل مباشر بين فعالية مواجهة التحديات والتهديدات العالمية وتعزيز الجهود المشتركة الرامية إلى تعميق الشراكات متعددة الأوجه، والتي يعد التعاون الصناعي أحد محركاتها الرئيسية.
ومن الجدير بالذكر أنه في 8 يونيو 2023، وافق مجلس رؤساء حكومات رابطة الدول المستقلة في سوتشي على مفهوم تطوير التعاون الصناعي بين الدول الأعضاء في رابطة الدول المستقلة ومجموعة التدابير لتطوير المنظمة حتى عام 2030. وتعكس هذه الوثائق الرئيسية بشكل كامل مواقف الدول الأعضاء في الكومنولث بشأن أولويات وآليات التعاون في تطوير التعاون الصناعي.
أهداف المفهوم هي إنشاء صناعات جديدة عالية التقنية، وتسريع تطوير وتحديث الصناعة، وتجديدها التكنولوجي، وزيادة أحجام الإنتاج والتصدير للمنتجات التنافسية والمبتكرة والكثيفة العلم مع حصة عالية من القيمة المضافة، وتحقيق المعايير الدولية لجودة المنتج.
ويقدر خبراء الاقتصاد أن تحقيق هذه الأهداف من شأنه أن يخلق فرص عمل جديدة، ويحسن نوعية رأس المال البشري، ويؤثر بشكل إيجابي على رفاهة ونوعية حياة سكان كل دولة مشاركة.
أوزبكستان، باعتبارها دولة تعمل بنشاط على توسيع التعاون الصناعي مع شركائها في رابطة الدول المستقلة، تنفذ حاليا أكثر من 600 مشروع مشترك في القطاع الحقيقي للاقتصاد، بقيمة إجمالية تبلغ حوالي 70 مليار دولار.
تغطي برامج التعاون الوطني قطاعات رئيسية في الاقتصاد الوطني، وهي: الطاقة، والهندسة الميكانيكية، والكيماويات، والصناعات الخفيفة. وتركز أوزبكستان على المشاريع المشتركة والإنتاج المحلي لتقليل الاعتماد على الواردات وتحفيز إنتاج المنتجات ذات القيمة المضافة.
وهكذا، أصبحت أوزبكستان اليوم بمثابة دولة أصبح فيها التعاون الصناعي ضرورة حقيقية لتنمية اقتصادات بلدان رابطة الدول المستقلة.
تشير الدلائل أيضًا إلى تراجع تدريجي في استخدام الدولار الأمريكي والعملات الاحتياطية الأخرى في المنطقة، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل عدم الاستقرار الجيوسياسي الحالي وضغوط العقوبات. وبفضل المشاركة الفعالة للبنوك المركزية والمنظمات الحكومية الدولية في بلدان رابطة الدول المستقلة، وُضعت آليات تتيح استخدام العملات الوطنية بفعالية في التجارة المتبادلة.
من المجالات المهمة تطبيق الاتفاقيات متعددة الأطراف بين دول رابطة الدول المستقلة، الهادفة إلى زيادة استخدام العملات الوطنية في التسويات المتبادلة. سيهيئ اعتمادها ظروفًا مواتية للتجارة والاستثمار، وسيساهم في تعزيز العلاقات الاقتصادية بين الدول.
في الوقت نفسه، يجدر التأكيد على أن التعاون داخل رابطة الدول المستقلة لا يقتصر على تحقيق منافع اقتصادية محددة. ومن أهم نتائجه إدخال التقنيات والمعدات الحديثة، وتدريب الكوادر المؤهلة تأهيلاً عالياً لتشغيلها. كل هذا يُشكل أساساً راسخاً للنمو طويل الأمد، والاندماج في سلاسل الإنتاج الدولية، والوصول إلى أسواق واعدة ذات منتجات تنافسية.
في ظل البيئة الجيوسياسية الراهنة، تتزايد أهمية النقل والخدمات اللوجستية للحفاظ على الترابط الاقتصادي، إلى جانب تطوير الروابط التجارية والاستثمارية التقليدية. وقد وفرت العقوبات والأنظمة الحمائية، إلى جانب تعطل سلاسل التوريد التقليدية، دافعًا قويًا لتطوير طرق النقل والخدمات اللوجستية لتمكين الدول من الوصول إلى الأسواق الناشئة الواعدة.
بدأت منظومة نقل جديدة كليًا بالظهور في رابطة الدول المستقلة، حيث تُعدّ آسيا الوسطى من أبرز المستفيدين. وتلعب المنطقة دورًا حيويًا متزايدًا في ضمان ربط شبكات النقل، حيث تُعدّ مركزًا رئيسيًا للنقل في أوراسيا. علاوة على ذلك، فإن معظم مشاريع النقل المُنفّذة في رابطة الدول المستقلة تُعزّز بعضها بعضًا، مُقدّمةً فوائد ملموسة ليس فقط لدول رابطة الدول المستقلة، بل أيضًا للدول الأخرى.
ولتعزيز التعاون التجاري والاقتصادي بين بلدان رابطة الدول المستقلة، من المستحسن تنفيذ التدابير التالية لضمان:
– مرونة اقتصادات بلدان رابطة الدول المستقلة في مواجهة التحديات والتهديدات العالمية من خلال تطوير استراتيجيات للاستجابة للتحديات الاقتصادية الكلية والجيوسياسية، والتي تشمل تقييم قطاعات اقتصادات بلدان الكومنولث التي قد تكون عرضة للتأثيرات الخارجية والآليات لضمان أمنها الاقتصادي؛
– تنويع الاقتصاد على أساس تطوير الصناعات غير المواردية، مثل تكنولوجيا المعلومات والهندسة الميكانيكية والتكنولوجيا الحيوية، مما من شأنه أن يزيد من النمو الاقتصادي لبلدان رابطة الدول المستقلة على المدى الطويل؛
– تعميق التعاون التجاري والاقتصادي والتعاون الصناعي والتكنولوجي من خلال تنظيم مجموعات التكنولوجيا الفائقة بين الولايات بهدف إنتاج منتجات ذات قيمة مضافة وقادرة على المنافسة في السوق الخارجية؛
– تكامل طرق النقل والخدمات اللوجستية على أساس تطوير البنية التحتية وتبسيط الإجراءات الجمركية وتوحيد المعايير، فضلاً عن تنسيق استراتيجيات تطوير أنظمة النقل في البلدان المشاركة، فضلاً عن تطوير البرامج والمشاريع المشتركة التي تهدف إلى دمج شبكات النقل والخدمات اللوجستية في ممرات النقل الدولية.
وقد يتطلب كل هذا تطوير أدوات مالية جديدة، والمرونة في التسويات الدولية، وسياسة حكومية متوازنة قادرة على الموازنة بين التحديات الجيوسياسية والمصالح الاقتصادية لدول الكومنولث، وتعزيز العلاقات فيما بينها باسم الاستقرار والتنمية المستدامة.
إن الاجتماع المقبل لمجلس رؤساء دول رابطة الدول المستقلة سيكون بمثابة دليل واضح على أن رابطة الدول المستقلة تظل شكلاً موثوقًا ومطلوبًا وفعالًا للتعاون، مما يسمح للمشاركين ببناء علاقات قائمة فقط على مبادئ الشراكة الاستراتيجية والمنفعة المتبادلة.
ديمتري تروستيانسكي،
الباحث الرئيسي في المعهد
الدراسات الاستراتيجية والإقليمية
تحت قيادة رئيس جمهورية أوزبكستان،
دكتور في الاقتصاد


































