الأسس التاريخية والديناميكيات الحديثة
تُمثل العلاقات بين أوزبكستان وروسيا اليوم نموذجًا راسخًا للشراكة الاستراتيجية القائمة على الاحترام المتبادل والمساواة والالتزام بالتنمية المشتركة. منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية في 20 مارس/آذار 1992، تطورت العلاقات بين البلدين من علاقات تقليدية بين الدول إلى منظومة تفاعل متعددة الجوانب تشمل السياسة والاقتصاد والصناعة والطاقة والنقل والشؤون الإنسانية.
على مدى ثلاثة عقود، جرت 35 زيارة متبادلة رفيعة المستوى، مما يدل على كثافة الحوار السياسي الفريد بين البلدين. وفي العامين الماضيين فقط، التقى زعيما البلدين في قازان وموسكو وسانت بطرسبرغ وطشقند، لمناقشة التعاون الصناعي، وتكامل الطاقة، ودعم العلاقات الإقليمية. وفي عام 2024، أصبحت زيارة الرئيس الروسي إلى أوزبكستان حدثًا تاريخيًا، إذ أعلنت عن إطلاق مجلس المناطق، وهو آلية جديدة للتفاعل المباشر بين مناطق البلدين.
اقتصاد بلا حواجز: من التجارة إلى التعاون الصناعي
وفي المجال الاقتصادي، يعمل نظام التجارة الحرة بين البلدان، ويتم تنسيق التعاون من خلال لجنة حكومية دولية تضم 14 لجنة فرعية، تتراوح من الصناعة والاستثمار إلى العلوم والرقمنة والرعاية الصحية.
في السنوات الأخيرة، شهدت التجارة الثنائية نموًا مطردًا: من 5.7 مليار دولار أمريكي عام 2018 إلى 11.6 مليار دولار أمريكي عام 2024، وبلغت 8.3 مليار دولار أمريكي بين يناير وأغسطس 2025، بزيادة قدرها 6.5%. في الوقت نفسه، زادت صادرات أوزبكستان إلى روسيا بنحو 17%، ويعود ذلك أساسًا إلى المنسوجات والمنتجات الغذائية والمعادن. ولطالما كانت الفواكه والمنسوجات والمعادن غير الحديدية الأوزبكية علامات تجارية معروفة في السوق الروسية.
تتكون الواردات من روسيا تقليديا من المنتجات المعدنية المدرفلة والأخشاب وموارد الطاقة والمركبات، مما يعكس التكامل بين الاقتصادين.
الاستثمار في المستقبل: الصناعة والطاقة والمناطق
تشمل الشراكة الاستثمارية بين أوزبكستان وروسيا حاليًا 415 مشروعًا بقيمة إجمالية قدرها 55.6 مليار دولار أمريكي. في عام 2024 وحده، تم صرف أكثر من 5.8 مليار دولار أمريكي، ومن المقرر صرف 5 مليارات دولار أخرى في عام 2025.
تعمل في أوزبكستان أكثر من 3000 شركة روسية، منها أكثر من 2100 شركة في طشقند. وتنشط هذه الشركات في جميع القطاعات الاستراتيجية، من الطاقة والكيماويات إلى الأدوية والتقنيات الرقمية.
تشمل محفظة المشاريع إنشاء محطات الطاقة الكهرومائية، وإنشاء مرافق مشتركة لإنتاج الأسمدة والبوليمرات، وتطوير رواسب المعادن غير الحديدية، وإطلاق مشاريع هندسية وإنشائية حديثة. وينصب التركيز بشكل خاص على تطوير التعاون الإقليمي: إذ يجري تنفيذ مشاريع بقيمة تقارب 1.2 مليار دولار أمريكي في منطقة بخارى وحدها، وأكثر من 600 مليون دولار أمريكي في منطقة نمنكان.
النقل والخدمات اللوجستية: حلقة الوصل في أوراسيا
تظل روابط النقل العمود الفقري لمنظومة التعاون بأكملها. في عام ٢٠٢٤، تجاوزت حركة الشحن المتبادلة ١٥ مليون طن، وبلغت حركة المسافرين جوًا ٤ ملايين (بزيادة ٤٢٪).
يُسيّر البلدان حوالي 300 رحلة جوية أسبوعيًا، مما يجعل روسيا أحد أكبر شركاء أوزبكستان في مجال الطيران. ويجري تحديث ممرات اللوجستيات عبر السكك الحديدية والطرق بنشاط، بما في ذلك الطرق العابرة لكازاخستان وبحر قزوين، بالإضافة إلى تطوير مراكز لوجستية مشتركة ومراكز متعددة الوسائط.
خرائط الطرق المشتركة والمواقع الصناعية
في السنوات الأخيرة، أُقرّت عشرات خرائط الطريق بعد زيارات ومنتديات، بما في ذلك معرضي INNOPROM وCentral Asia (آسيا الوسطى) الرئيسيين. وقد أسفرت هذه الفعاليات وحدها عن توقيع مئات الاتفاقيات بمليارات الدولارات في مجالات الصناعة والتجارة والابتكار.
هذه الوثائق ليست مجرد إجراء شكلي، بل هي الأساس لعشرات المشاريع المحددة التي يتم تنفيذها، وخلق فرص العمل، وتشكيل بنية جديدة للتعاون الصناعي بين أوزبكستان وروسيا.
النتيجة: اتحاد الإبداع والبراغماتية
إن أوزبكستان وروسيا أكثر من مجرد جيران وشركاء، بل إن علاقاتهما هي مثال على التحالف البراجماتي، حيث لا تكون الأولوية للخطاب السياسي، بل للأفعال الحقيقية.
إن النمو السريع في حجم التجارة، والاستثمارات واسعة النطاق، وتطوير ممرات النقل، وتعزيز الروابط الإنسانية، كلها تشير إلى أن هذه الشراكة ليست تكريما للماضي، بل استثمار في مستقبل مشترك.


































