ستُعقد قمة منظمة شنغهاي للتعاون، برئاسة الصين، في الفترة من 31 أغسطس إلى 1 سبتمبر في تيانجين، الصين. وخلال هذه الفترة، سيجتمع أكثر من 20 رئيس دولة وزعيمًا من 10 منظمات دولية على ضفاف نهر هايخه. وستكون القمة القادمة تتويجًا لولاية الصين كرئيسة، والأكبر في تاريخ المنظمة.
تمثل منظمة شنغهاي للتعاون اليوم أكثر من 40% من سكان العالم، ونحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتضم 10 دول أعضاء، ودولتين بصفة مراقب، و14 شريكًا في الحوار. وقد تطور دور المنظمة ومجالات مسؤوليتها ووظائفها باستمرار على مر السنين، لكنها ظلت راسخة في مبادئ التعاون ذي المنفعة المتبادلة، نموذجًا يُحتذى به لبناء نوع جديد من العلاقات الإقليمية والدولية. وقد قطعت منظمة شنغهاي للتعاون، التي تأسست في مطلع القرن العشرين، شوطًا طويلًا من كونها منتدى للحوار حول قضايا أمن الحدود إلى واحدة من أكثر منصات التعاون متعدد الأطراف تأثيرًا في القارة الأوراسية.
توسيع الوظائف: من الأمن إلى التنمية الشاملة في المجالين الاقتصادي والإنساني
استجابةً لتغيرات الوضع الإقليمي وتزايد متطلبات التعاون، وسّعت منظمة شنغهاي للتعاون نطاق أنشطتها تدريجيًا، منتقلةً من القضايا المتعلقة بالأمن فحسب إلى القضايا الاقتصادية والإنسانية. وقد شكّل ذلك نموذجًا للتفاعل المتناغم الذي تتكامل فيه الجوانب الأمنية والاقتصادية والإنسانية وتعزز بعضها البعض. في المجال الاقتصادي، وقّعت الدول الأعضاء عددًا من الاتفاقيات ونفّذت مشاريع عملية في مجالات الطاقة والنقل والزراعة. وقد ضمن خط أنابيب النفط بين الصين وكازاخستان، وخط أنابيب الغاز بين آسيا الوسطى والصين، شراكةً طاقيةً ذات منفعة متبادلة. وأدى إنشاء الطرق السريعة والسكك الحديدية إلى توفير روابط نقل موثوقة بين المناطق. وساهم تبادل التقنيات الزراعية وتنمية التجارة في تسريع وتيرة التحديث. وفي المجال الإنساني، أنشأت منظمة شنغهاي للتعاون منصةً للحوار بين الحضارات من خلال فعاليات متنوعة، مثل عام الثقافة، والمهرجانات الفنية، والمسابقات الرياضية. وقد أتاح توسيع برامج التبادل الطلابي والمشاريع التعليمية المشتركة تدريب متخصصين يتمتعون برؤية دولية واسعة وكفاءات ثقافية متعددة.
لقد أرست هذه المبادرات الأساس الفكري للتنمية الطويلة الأجل للمنظمة، وعززت الحوار بين الحضارات، وجسدت بشكل كامل مبادئ روح شنغهاي ــ احترام تنوع الحضارات والرغبة في التنمية المشتركة.
النفوذ الدولي المتزايد: مساهمة منظمة شنغهاي للتعاون في مواجهة التحديات العالمية
في بيئة دولية معقدة ومتغيرة باستمرار، يتزايد دور منظمة شنغهاي للتعاون ومسؤوليتها على الساحة العالمية باطراد. ففي مجال الأمن، تعزز المنظمة مفهومًا شاملًا ومستدامًا قائمًا على المساهمات والجهود المشتركة، مما يُسهم في تحويل النظام الدولي الحالي. وفي مواجهة التحديات العالمية، مثل تغير المناخ والأمن الغذائي والتهديدات الصحية، تعمل الدول الأعضاء معًا بشكل وثيق، مستفيدة من نقاط قوتها لإيجاد حلول مشتركة. ويتجلى تأثير منظمة شنغهاي للتعاون المتنامي بوضوح في توسع عضويتها: فقد انضمت الهند وباكستان إليها عام ٢٠١٧، وستنضم بيلاروسيا عام ٢٠٢٤. وهذا يجعل منظمة شنغهاي للتعاون واحدة من أكبر المنظمات الدولية الإقليمية، من حيث المساحة والسكان، مما يوفر موارد وفرصًا إضافية لمعالجة القضايا الإقليمية والعالمية.
بناء بيت مشترك لمنظمة شنغهاي للتعاون: مساهمة الصين
بصفتها عضوًا مؤسسًا في منظمة شنغهاي للتعاون، أولت الصين المنظمةَ باستمرار مكانةً بالغة الأهمية في سياستها الخارجية. وتتوافق مبادرات التنمية العالمية، والأمن العالمي، والحضارة العالمية التي اقترحتها الصين تمامًا مع مبادئ "روح شنغهاي"، القائمة على الثقة المتبادلة، والمنفعة المتبادلة، والمساواة، والتشاور، واحترام تنوع الحضارات، والسعي لتحقيق التنمية المشتركة. تُثري هذه المبادرات الأساس المفاهيمي للمنظمة، وتمثل نهج الصين لتعزيز دورها في الحوكمة العالمية عبر ثلاثة أبعاد: التنمية، والأمن، والحضارة.
في قمة أستانا 2024، طرح الرئيس الصيني شي جين بينغ خمسة مقترحات لبناء بيت مشترك لمنظمة شنغهاي للتعاون، يقوم على مبادئ التماسك والثقة، والسلام والاستقرار، والازدهار والتنمية، وحسن الجوار والصداقة، والعدالة والمساواة. وقد حددت هذه المبادرات مسار تنمية المنظمة في السياق الجديد، وحظيت بتقدير واسع واستجابة حماسية من المشاركين.
المعرفة بداية العمل، والعمل غاية المعرفة. الصين ليست مجرد منظّر فاعل لـ"روح شنغهاي"، بل تُطبّق مفاهيمها المقترحة تطبيقًا عمليًا. في المجال الأمني، تُشجّع الصين، بالتعاون مع أعضاء آخرين، على الإصلاحات والابتكارات في آليات صنع القرار، ونماذج التعاون، وعمل الهيئات الدائمة لمنظمة شنغهاي للتعاون. تُجري الأطراف مفاوضات حثيثة لإنشاء مركز شامل لمواجهة التهديدات والتحديات الأمنية، ومركز لأمن المعلومات، ومركز لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، ومركز لمكافحة المخدرات. سيُعطي إنشاء هذه الهياكل زخمًا إضافيًا للتعاون في مجال إنفاذ القانون، ويُشكّل هيكلًا أمنيًا إقليميًا جديدًا.
في المجال الاقتصادي، تعمل الصين بنشاط على تعزيز تكامل مبادرة الحزام والطريق مع استراتيجيات التنمية الوطنية لدول منظمة شنغهاي للتعاون. وقد نُفِّذت مشاريع هامة، بما في ذلك "المنطقة التجريبية للتعاون التجاري والاقتصادي الإقليمي بين الصين ومنظمة شنغهاي للتعاون" و"القاعدة التجريبية لتبادل التكنولوجيا الزراعية التابعة لمنظمة شنغهاي للتعاون". وفي عام 2024، بلغ حجم التبادل التجاري بين الصين والدول الأعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون والدول المراقبة وشركاء الحوار رقمًا قياسيًا بلغ 890 مليار دولار أمريكي. علاوة على ذلك، تعمل الصين على توسيع تعاونها في المجالات العلمية والتقنية والإنسانية، مما يعزز الدعم الشعبي لتنمية منظمة شنغهاي للتعاون.
يواجه العالم اليوم تغيرات غير مسبوقة، لم يشهدها خلال المئة عام الماضية، ويدخل عصرًا جديدًا من الاضطراب والتحول. فمن جهة، يكتسب التوجه التاريخي الراسخ نحو السلام والتنمية والتعاون والمنفعة المتبادلة زخمًا متزايدًا، حيث يكتسب "الجنوب العالمي" نفوذًا متزايدًا، ويلعب دورًا محوريًا في التقدم البشري، ويساهم في تسريع تشكيل نظام دولي متعدد الأقطاب. ومن جهة أخرى، تسعى بعض الدول إلى الحفاظ على هيمنة أحادية القطب، وتروج علنًا لمبدأ "الأمة أولاً". وتُنشأ تكتلات عسكرية سياسية، وتُؤجج المواجهات، وتُبذل محاولات لاستبدال النظام العالمي لما بعد الحرب، المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، بقواعد زائفة.
كما يقول المثل الصيني القديم: "على الطريق الصحيح، نحقق معًا أهدافًا عظيمة"، يكشف هذا المثل بعمق حقيقة التعاون والمنفعة المتبادلة. ومع اقتراب الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، تدخل منظمة شنغهاي للتعاون عصرًا جديدًا من التطور، وتقدم مساهمتها في بناء عالم أكثر انسجامًا وازدهارًا وعدلًا.


































