تشهد العديد من دول أوروبا وآسيا الوسطى حاليًا انخفاضًا سريعًا في معدلات المواليد، وشيخوخة السكان، وهجرة الشباب. واستجابةً لذلك، تُطرح دعواتٌ لرفع معدلات المواليد وحوافز ديموغرافية. ومع ذلك، وكما يُشير تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان "حالة سكان العالم 2025"، فإن وراء الإحصاءات الديموغرافية أزمةً أخرى أكثر جوهريةً: أزمة حرية الإنجاب.
يقول صندوق الأمم المتحدة للسكان إن ملايين الأشخاص في جميع أنحاء العالم غير قادرين على إنجاب عدد الأطفال الذي يريدونه – أو يواجهون حالات حمل غير مخطط لها.
أجرى صندوق الأمم المتحدة للسكان، بالتعاون مع شركة الأبحاث "يوجوف"، استطلاعًا شمل أكثر من 14,000 شخص من 14 دولة، منها المجر وألمانيا. أظهرت نتائج الدراسة تباينًا كبيرًا بين ما يرغبون فيه وما يحققونه: فقد عانى حوالي ثلث المشاركين (32%) من حمل غير مخطط له، بينما عانى ما يقرب من ربعهم (23%) من عدم القدرة على الإنجاب في الموعد المطلوب. في الوقت نفسه، أفاد 31% من البالغين الذين تزيد أعمارهم عن 50 عامًا أن لديهم عددًا أقل من الأطفال مما يرغبون فيه.
كانت القيود المالية هي العائق الأكثر شيوعًا أمام إنجاب الأطفال، حيث ذكرها 39% من المشاركين. وشملت الأسباب المهمة الأخرى عدم توفر سكن مناسب (19%)، وعدم الاستقرار الوظيفي (21%)، والخوف من المستقبل – بما في ذلك الحروب والأوبئة والكوارث البيئية (19%).
تُعدّ مشاكل العلاقات الشخصية أيضًا ذات أهمية كبيرة: أفاد 14% من المشاركين أن غياب الشريك يمنعهم من إنجاب العدد الذي يرغبون فيه من الأطفال. بالإضافة إلى ذلك، أشار 10% إلى ضعف مشاركة الشريك في التربية والمسؤوليات المنزلية. علاوة على ذلك، ذُكر هذا العامل أكثر من قِبل النساء (13%) مقارنةً بالرجال (8%).
يُلاحَظ انخفاض الخصوبة بين الشابات في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك أوروبا الشرقية، حيث سُجِّل انخفاض حاد في الخصوبة في التسعينيات بسبب تأخر الإنجاب. ومع ذلك، فإن الإنجاب المتأخر لا يُعوِّض دائمًا الخسائر، إذ يتطلب ذلك قاعدة اجتماعية واقتصادية مستقرة وسياسة أسرية فعّالة.
يشير التقرير إلى أن انخفاض معدلات الخصوبة بدأ في القرن العشرين، ويستمر في العديد من المناطق، بما في ذلك آسيا وأوروبا الشرقية. هذه العملية ليست مفاجئة، بل هي نتيجة اتجاهات طويلة الأمد كان بإمكان الدول توقعها لكنها فشلت في منعها. على سبيل المثال، على الرغم من أن كازاخستان، شأنها شأن دول آسيا الوسطى الأخرى، لا تزال تحافظ على معدلات خصوبة أعلى من المتوسط، إلا أن ديناميكيات الخصوبة آخذة في الانحدار بالفعل.
وفقًا للتقرير، تُعتبر العوائق الاقتصادية الأسباب الرئيسية التي تمنع الأسر من تحقيق طموحاتها الإنجابية. في العديد من البلدان، مثل مولدوفا وأوكرانيا، وخاصةً بعد تسعينيات القرن الماضي، رافق انخفاض الخصوبة الهجرة والتدهور الاقتصادي وعدم الاستقرار. لم يتخلَّ الناس عن أطفالهم باختيارهم، بل عَزَفَهم نقص الظروف اللازمة.
ومع ذلك، بدأت مبادرات ناجحة بالظهور في المنطقة. ففي مولدوفا، على سبيل المثال، طبّق مخبز بانيلينو سياسةً موجهةً نحو الأسرة، تتضمن ساعات عمل مرنة وحضانة أطفال. وقد مكّن هذا الموظفة أنستازيا أصلان من إنجاب طفل رابع، وهو مثالٌ على كيفية تأثير دعم الوالدين في مكان العمل على القرارات الديموغرافية. وتشير الإدارة إلى أنه بعد تطبيق هذه الإجراءات، انخفض معدل دوران الموظفين إلى الصفر، وارتفعت الإنتاجية.
يؤكد مؤلفو التقرير أن التركيز على إحصاءات المواليد غالبًا ما يصرف الانتباه عن القضية الرئيسية – حقوق الناس واحتياجاتهم. أزمة المواليد في العصر الحديث ليست "قلة الأطفال"، بل "قلة الحرية". يُحرم الناس من فرصة بناء أسرهم بالطريقة التي يرغبون بها.
الحرية الإنجابية، وفقًا للتقرير، تعني القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة ومستنيرة بشأن إنجاب الأطفال. وهذا لا يتطلب فقط الوصول إلى وسائل منع الحمل والخدمات الصحية، بل يتطلب أيضًا الاستقرار الاقتصادي، والمساواة بين الجنسين، وخدمات اجتماعية عالية الجودة، والثقة بالمستقبل.
ويدعو التقرير إلى الابتعاد عن التهويل الديموغرافي والتركيز على ما هو أكثر أهمية: سؤال الناس عما يريدونه وخلق الظروف التي تمكنهم من تحقيقه.
بالنسبة لدول أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، لا يقتصر هذا على زيادة المدفوعات أو تشجيع الأسر الكبيرة، بل يشمل أيضًا إصلاحًا منهجيًا شاملًا يهدف إلى حماية حقوق السكان واحتياجاتهم الحقيقية. ويشمل ذلك تحديدًا الاستثمار المستدام في الصحة الإنجابية، والسكن الميسور، والتوظيف، والتوزيع العادل لمسؤوليات الأسرة، بالإضافة إلى الحماية من العنف والتمييز.
ويقول التقرير إن "أزمة الخصوبة الحقيقية تكمن في أن ملايين الأشخاص غير قادرين على تحقيق رغباتهم ــ ليس لأنهم لا يريدون أطفالاً، بل لأنهم لا يستطيعون تحمل تكاليفهم".
قبل أن أُنجب طفلاً، عليّ أن أكافح من أجل حقي في ذلك بشروطي الخاصة – من أجل زواج المثليين، وتأجير الأرحام، وحقوق التبني، والاعتراف بحقوق الوالدين في بلدي. لأن هذه ليست معركتي وحدي، بل هي معركة مليارات الشباب العالقين في أنظمة تحرمهم من الحقوق والكرامة التي يستحقونها، كما يقول رومان، البالغ من العمر 26 عامًا، من أذربيجان.
ويؤكد صندوق الأمم المتحدة للسكان أن الاعتراف بالاستقلال الإنجابي لجميع الناس وضمانه، بغض النظر عن العمر أو الجنس أو الحالة الاجتماعية أو بلد الإقامة، هو مفتاح الاستدامة الديموغرافية والمستقبل العادل.


































