يتخلى أفراد جيل زد بشكل متزايد عن بعض وسائل الراحة الرقمية لتطوير مهاراتهم في التواصل المباشر. ويكتسب اتجاه جديد، يُعرف باسم "تعظيم الاحتكاك"، شعبية متزايدة بين الشباب، ويُنظر إليه كوسيلة للاستعداد للتحديات المهنية المستقبلية.
بحسب مجلة فورتشن، صاغت الكاتبة كاثرين جيثر-مورتون مصطلح "الاحتكاك الأقصى". ويشير هذا المصطلح إلى المواقف اليومية التي قد تسبب بعض الإزعاج، مثل: المكالمات الهاتفية مع الغرباء، والمحادثات المباشرة بدلاً من الرسائل النصية، وحجز مواعيد الطبيب بشكل فردي، أو مقابلة أشخاص جدد في المناسبات.
يعتقد مؤيدو هذا المفهوم أن هذه المواقف تحديداً هي التي تساعد على تطوير مهارات التواصل، والتي أصبحت مطلوبة بشكل متزايد في سوق العمل اليوم.
يشير أصحاب هذه الفكرة إلى أن شباب اليوم نشأوا في بيئةٍ قلّصت فيها التكنولوجيا العديد من التفاعلات غير المريحة. فقد ألغت خدمات الملاحة الحاجة إلى السؤال عن الاتجاهات، وخفّضت خدمات التوصيل عدد التفاعلات مع البائعين في المتاجر وموظفي المقاهي، وأتاحت تطبيقات المراسلة إمكانية التفكير ملياً في الرسائل وتعديلها قبل إرسالها.
ونتيجةً لذلك، بات من غير المرجح أن يجد العديد من الشباب أنفسهم في مواقف تتطلب ردود فعل سريعة ومحادثات غير مُعدّة مسبقًا. ووفقًا لمؤيدي هذا التوجه، لا تكمن المشكلة في جيل زد نفسه، بل في البيئة الرقمية التي صُممت لتوفير الوقت وتقليل التوتر. ومع ذلك، في الوقت نفسه، أصبح الناس أقل ميلًا للتواصل وجهًا لوجه.
من الأمثلة على تعظيم الاحتكاك إجراء محادثة هاتفية مع شخص غريب. على عكس الرسائل النصية، لا يسمح هذا النوع من التواصل بالرد المسبق أو إعادة صياغة ما قيل، مما يجعل الشخص أكثر عرضة للتأثر ويجبره على التصرف في الوقت الفعلي.
ترتبط شعبية هذا التوجه أيضاً بالتغيرات في سوق العمل. ويعتقد مؤيدوه أن العديد من المهام المبتدئة، بما في ذلك معالجة البيانات والبرمجة وتحليل المعلومات، يتم أتمتتها تدريجياً بفضل تطور الذكاء الاصطناعي.
في ظل هذه الخلفية، تزداد أهمية ما يسمى بالمهارات المستدامة – القدرة على الاستماع للآخرين، والعمل ضمن فريق، ومناقشة الخلافات بشكل بنّاء، وإيجاد حلول في المواقف الصعبة.
بحسب استطلاع أجرته الرابطة الأمريكية للكليات والجامعات عام 2025، يرغب 96% من أصحاب العمل في توظيف أشخاص قادرين على إدارة الخلافات بفعالية داخل فرقهم. مع ذلك، يعتقد 34% فقط من أصحاب العمل أن الخريجين مؤهلون لمثل هذه المواقف.
وجدت دراسة أخرى أجرتها جامعة ديفري في عام 2025 أن 78 بالمائة من أصحاب العمل ينظرون إلى هذه المهارات على أنها عامل مهم في مرونة الموظفين، و70 بالمائة يعتبرونها عاملاً مهماً في التقدم الوظيفي.
يشير واضعو هذا المفهوم إلى أن نقص هذه المهارات قد يظهر في طيف واسع من المهن. ومن الأمثلة على ذلك مضيفات الطيران اللواتي يجدن صعوبة في حل النزاعات مع الركاب، والممرضات اللواتي يترددن في مواجهة الطبيب عند اكتشاف خطأ، والموظفون غير القادرين على حل النزاعات في مكان العمل دون تدخل الإدارة.
بحسب أنصار نظرية "تعظيم الاحتكاك"، فإن مهارات التواصل تُكتسب بالممارسة فقط. فكل محادثة صعبة أو مكالمة هاتفية محرجة تُعتبر تدريباً يُساعد على الاستعداد لمواقف حياتية أكثر صعوبة.
بدأت بعض المؤسسات التعليمية بالفعل في تطبيق برامج متخصصة لتنمية هذه المهارات. فعلى سبيل المثال، تقوم منظمة "يونيفاي أمريكا" بتنفيذ مشروع "الصالة الرياضية المدنية" في أكثر من 270 كلية وجامعة في 42 ولاية أمريكية.
كجزء من البرنامج، يتمّ ربط الطلاب بأشخاص من مناطق وفئات اجتماعية مختلفة، ويُطلب منهم مناقشة قضايا اجتماعية معقدة، بما في ذلك الهجرة والتعليم وحرية التعبير. والهدف الأساسي من هذه اللقاءات ليس التوصل إلى اتفاق، بل تنمية القدرة على المشاركة في حوار بنّاء مع أشخاص يحملون آراءً مختلفة.
بحسب بيانات البرنامج، لا يزال الإقبال على هذا النمط مرتفعاً. ففي جامعة نورث داكوتا، شارك ما يقارب 900 طالب في المشروع. وأفاد أكثر من 90% من المشاركين بأنهم شعروا بأن أصواتهم مسموعة وأنهم لم يتعرضوا لأي أحكام مسبقة، وأشار أكثر من 80% إلى أنهم اكتسبوا وجهات نظر جديدة، وأعرب نحو ثلاثة أرباعهم عن رغبتهم في مواصلة هذه التجربة.
يوصي مؤيدو هذا التوجه بالبدء بإجراءات بسيطة: طرح أسئلة توضيحية قبل التعبير عن رأيك، ومناقشة القضايا المهمة عبر الهاتف أو شخصياً بدلاً من المراسلات المطولة، والتعرف على أشخاص جدد في الفعاليات، وحل المشكلات اليومية بشكل مستقل من خلال التواصل وجهاً لوجه.
يؤكد واضعو هذا المفهوم أن تعظيم الاحتكاك لا يعني رفض التكنولوجيا، بل على العكس، إنها محاولة لإعادة إدخال بعض التفاعل البشري إلى الحياة اليومية التي تحل محلها تدريجياً الخدمات الرقمية والأتمتة.






































