على مدى عقود، أنقذت إجراءات مكافحة التدخين ملايين الأرواح. واليوم، عدّلت صناعة التبغ استراتيجياتها وتخطط للعودة بقوة. هذا هو التحذير الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية قبيل اليوم العالمي للامتناع عن التدخين، الذي يُحتفل به سنوياً في 31 مايو، وفقاً للخدمة الصحفية للأمم المتحدة.
"نحن الآن على أعتاب حقبة جديدة من الإدمان الذي تغذيه الصناعة، ولم تواكب تدابير مكافحة التبغ هذه التغييرات"، هذا ما قاله الدكتور غازي زعتري، الأستاذ ورئيس قسم علم الأمراض وطب المختبرات في كلية الطب بالجامعة الأمريكية في بيروت.
يحذر خبير في الصحة العامة يرأس حاليًا فريق دراسة تابع لمنظمة الصحة العالمية بشأن تنظيم منتجات التبغ من أن موجة جديدة من منتجات النيكوتين والمنتجات الشبيهة بالنيكوتين يمكن أن تغير وتوسع سوق الإدمان بشكل جذري، مما يجعلها في متناول الأطفال والشباب بشكل أكبر.
النيكوتين الاصطناعي: رخيص ومتوفر
على مدى السنوات الخمس الماضية، اتجهت صناعة التبغ بشكل متزايد نحو استخدام النيكوتين الاصطناعي ونظائره الكيميائية المصنعة في المختبرات. وقد أصبح إنتاج هذه المواد رخيصًا تقريبًا مثل استخلاص النيكوتين من التبغ. ووفقًا للخبير، فإن هذا يمهد الطريق لجيل جديد من المنتجات التي قد لا تحتوي على التبغ تقريبًا، مع أنها لا تزال تسبب الإدمان من خلال تأثيرها على مستقبلات الدماغ نفسها التي يؤثر عليها النيكوتين العادي. ويحذر الدكتور زعتر قائلاً: "صُممت هذه المنتجات لتسهيل بدء الاستخدام، وتشجيع الاستخدام المنتظم، وتقليل الشعور بالمخاطر، خاصة بين المراهقين والشباب".
إدمان جديد للأجيال الجديدة
يتزايد تركيز الترويج لهذه المنتجات ليس على التبغ نفسه، بل على نمط الحياة والتكنولوجيا والهوية الاجتماعية. وفي الوقت نفسه، يُشكّل النيكوتين الاصطناعي ومشتقاته تحديات تنظيمية جديدة. تُسوّق بعض الشركات هذه المنتجات على أنها "خالية من التبغ" أو "أنظف" أو "عصرية" أو "أقل ضرراً"، على الرغم من تأثيرها على آليات الإدمان نفسها في الدماغ. علاوة على ذلك، تُسوّق مشتقات النيكوتين أحياناً على أنها "خالية من النيكوتين"، على الرغم من قدرتها العالية على الإدمان.
يظل الأطفال والمراهقون أكثر عرضة للخطر. فبما أن الدماغ يستمر في النمو حتى سن الخامسة والعشرين تقريبًا، فإن التعرض للنيكوتين خلال هذه الفترة قد يُغير الروابط العصبية المسؤولة عن الانتباه والتعلم والتحكم في الاندفاع. ولهذا السبب، يبقى الشباب هدفًا رئيسيًا لتسويق منتجات النيكوتين.
"إن التغليف الزاهي والنكهات الفاكهية والتسويق عبر المؤثرين ليست مجرد ابتكارات، بل هي آليات تهدف إلى تطبيع استهلاك النيكوتين وتسريع الإدمان بين جيل الشباب"، كما قال الدكتور زعتر.
هناك حاجة إلى قوانين شاملة
يحذر الخبير من أن الدول لا تستطيع تحمل الانتظار حتى تستقر منتجات النيكوتين الجديدة بشكل كامل في السوق، ويدعو إلى تحديث تشريعات مكافحة التبغ بشكل عاجل لجعلها شاملة قدر الإمكان.
وأشار إلى أنه "بدون سياسات أقوى وأكثر مرونة، يُخاطر العالم بالدخول في مرحلة جديدة من وباء النيكوتين". وفي العديد من البلدان، لم تُصمَّم قوانين مكافحة التبغ الحالية لتنظيم نظائر النيكوتين والمركبات الاصطناعية والمنتجات الهجينة التي تُطمس الحدود بين المنتجات الصيدلانية والترفيهية ومنتجات التبغ.
منظمة الصحة العالمية – الإقليم الأوروبي: اتجاهات مقلقة تستدعي التغيير
يتسبب التبغ في 1.2 مليون حالة وفاة سنوياً في الإقليم الأوروبي لمنظمة الصحة العالمية. ومن بين هذه الحالات، يُعزى حوالي 202 ألف حالة وفاة إلى التعرض للتدخين السلبي.
تُسجّل المنطقة أعلى معدل استهلاك للتبغ بين البالغين في العالم، ومن المتوقع أن يستمر هذا المستوى حتى عام 2030 على الأقل. ويُقدّر عدد المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عامًا والذين يستخدمون منتجات التبغ بنحو أربعة ملايين، بالإضافة إلى 4.2 مليون آخرين يستخدمون السجائر الإلكترونية. كما يُعدّ انتشار التدخين الإلكتروني بين المراهقين في المنطقة الأعلى عالميًا، حيث يبلغ 14.3%، مقارنةً بـ 7.2% في مناطق أخرى.
بحسب أحدث تقرير لمنظمة الصحة العالمية حول وباء التبغ العالمي، لم تتبنَّ سوى 18 دولة من أصل 53 دولة في الإقليم الأوروبي قوانين شاملة تحظر التدخين تمامًا في الأماكن العامة. ورغم أن أكثر من نصف دول الإقليم قد حققت مستويات الضرائب الموصى بها على التبغ، فإن أسعار السجائر لا ترتفع بالسرعة الكافية لخفض أسعارها. علاوة على ذلك، في 19 دولة، أصبحت السجائر اليوم أرخص مما كانت عليه في عام 2014، وهو ما يشير، وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، إلى ضرورة زيادة الضرائب.
يرى خبراء منظمة الصحة العالمية أن وقف وباء التبغ لا يمكن تحقيقه إلا من خلال سياسة شاملة قائمة على الأدلة. وتشمل هذه السياسة تشديد الرقابة على جميع منتجات التبغ والنيكوتين، بما في ذلك السجائر الإلكترونية، وحظراً تاماً للإعلان والترويج، وفرض قيود على النكهات، وزيادة الضرائب، واعتماد التغليف المحايد، واتخاذ تدابير أقوى لحماية الشباب، وتوسيع نطاق الوصول إلى خدمات المساعدة على الإقلاع عن التدخين.
يدعو خبراء منظمة الصحة العالمية الحكومات إلى تعزيز القوانين واللوائح بشكل عاجل قبل أن ينجذب جيل جديد إلى إدمان النيكوتين تحت ستار المنتجات المبتكرة. ففي نهاية المطاف، وراء التغليف الأنيق والنكهات الجذابة يكمن نموذج العمل نفسه: التربح من الإدمان والأضرار المصاحبة له.


































