يصادف يوم 26 أبريل/نيسان هذا العام الذكرى الأربعين لواحدة من أسوأ الكوارث التي تسبب بها الإنسان في التاريخ – حادثة محطة تشيرنوبيل للطاقة النووية. بالنسبة لملايين البشر، هذا ليس مجرد تاريخ، بل هو ألم لا يزول، وذكرى أولئك الذين ضحوا بحياتهم وصحتهم لوقف عدو خفي – الإشعاع. إنه درسٌ يجب أن يغير إلى الأبد نظرة العالم إلى المسؤولية والسلامة والحقيقة.
لكن اليوم، وبعد أربعة عقود، أصبحت تشيرنوبيل مرة أخرى مركزاً للقلق. ومرة أخرى، ليس باختيارها.
في فبراير/شباط 2022، في الأيام الأولى للغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، سيطرت القوات الروسية على محطة تشيرنوبيل للطاقة النووية والمنطقة المحظورة المحيطة بها. تحوّل مكانٌ كان من المفترض أن يبقى رمزًا للمأساة وتحذيرًا للبشرية جمعاء إلى منطقة خطر عسكري. شهد العالم ما بدا مستحيلاً: رجالٌ مسلحون في مكانٍ يتطلب فيه كل خطوةٍ دراسةً متأنية، حيث تنطوي الأرض نفسها على خطرٍ محدق.
تشيرنوبيل ليست مجرد موقع جغرافي، بل هي رمز لعواقب الإهمال والصمت والاستهتار بحياة الإنسان. في عام ١٩٨٦، حاول النظام السوفيتي التستر على حجم المأساة. لم يتم تحذير الناس في الوقت المناسب، وتم طمس الحقيقة، ووقعت العواقب على عاتق المواطنين العاديين.
وعندها برز بوضوح ما يبقى أكثر الأشياء إشراقاً في هذه المأساة: التضامن الإنساني.
كان آلاف الأشخاص من جمهوريات مختلفة، بما في ذلك طاجيكستان، من بين فرق إزالة آثار الحادث. سافر متخصصون طاجيكيون، وعسكريون، وأطباء، ومهندسون إلى تشيرنوبيل، غالباً دون إدراك كامل لحجم الخطر. لقد أدوا واجبهم، مخاطرين بصحتهم وحياتهم.
واجه العديد منهم لاحقاً أمراضاً خطيرة. وقد رحل الكثيرون بالفعل. لكن بطولاتهم تبقى جزءاً من التاريخ المشترك الذي يوحد شعوبنا.
اليوم، ونحن نحيي ذكرى كارثة تشيرنوبيل، تُعرب أوكرانيا عن خالص امتنانها للشعب الطاجيكي. هذا الامتنان نابع من شجاعتهم وتضامنهم ومسؤوليتهم الإنسانية، التي تفوقت على الخوف. إن ذكرى عمال التطهير جسرٌ يربط بين بلدينا، بُني على الاحترام والألم المشترك.
لقد علّمت كارثة تشيرنوبيل العالم الكثير. فقد أظهرت مدى هشاشة السلامة عند إهمالها، وكيف يمكن أن تستمر عواقب خطأ واحد لعقود. وأصبحت تشيرنوبيل رمزاً لضرورة التعاون الدولي في مجال السلامة النووية.
لكن أحداث عام 2022 أظهرت أيضاً شيئاً آخر: حتى هذه المآسي المروعة لا تقدم دائماً درساً كافياً.
عندما دخلت القوات الروسية منطقة تشيرنوبيل، لم يكن ذلك مجرد عدوان عسكري، بل كان أيضاً استخفافاً بذكرى من قضوا نحبهم أثناء التعامل مع تداعيات الحادث. استخفافاً بمعنى تشيرنوبيل الجوهري: كونه عبرةً للبشرية جمعاء.
يواجه العالم مرة أخرى حقيقة واضحة: التهديدات التي تواجه السلامة النووية لا تأتي فقط من الحوادث، ولكن أيضاً من القرارات السياسية والعسكرية غير المسؤولة.
اليوم، تواصل أوكرانيا نضالها ليس فقط من أجل أراضيها، بل أيضاً من أجل مبادئ مهمة للعالم أجمع: المسؤولية، والشفافية، واحترام الحياة البشرية. كما تناضل من أجل الحق في مستقبل لا تتكرر فيه مثل هذه المآسي.
إن ذكرى تشيرنوبيل ليست مجرد نظرة إلى الماضي، بل هي سؤال للحاضر والمستقبل.
اكتسبت قرارات المجتمع الدولي أهمية خاصة في الفهم الحديث لكارثة تشيرنوبيل. ففي عام 2025، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً خاصاً، بمبادرة من أوكرانيا، يهدف إلى تعزيز التعاون الدولي للتغلب على آثار كارثة تشيرنوبيل.
أكدت الوثيقة أن مأساة عام 1986 ليست مجرد ذكرى من الماضي، بل هي تحدٍّ مستمر. ويشير القرار صراحةً إلى أن تداعيات الحادث لا تزال طويلة الأمد، وتتطلب اهتماماً ودعماً متواصلين للمناطق المتضررة وسكانها.
أثارت الأحداث الأخيرة قلقاً بالغاً لدى المجتمع الدولي. ويعرب القرار عن قلقه البالغ إزاء الأضرار التي لحقت بالقوس الواقي فوق المفاعل المدمر لمحطة تشيرنوبيل للطاقة النووية في فبراير/شباط 2025، جراء هجوم بطائرة روسية مسيرة. وقد عرّض هذا الهجوم عقوداً من الجهود الدولية لضمان أمن الموقع للخطر.
كما دعت الجمعية العامة المجتمع الدولي إلى تعزيز دعمه لأوكرانيا في إعادة بناء البنية التحتية للمحطة وضمان السلامة النووية، وقررت عقد اجتماع خاص لإحياء الذكرى الأربعين للمأساة في أبريل 2026.
ومن المهم أيضاً أن تكرس وثائق الأمم المتحدة استخدام الاسم الأوكراني "تشورنوبيل"، وهو ليس خطوة لغوية فحسب، بل خطوة رمزية أيضاً – اعتراف بالعدالة التاريخية ورفض للإرث السوفيتي في تفسير المأساة.
اليوم، وبعد مرور أربعين عاماً على الكارثة، ننحني إجلالاً لأرواح من قضوا نحبهم، ونعرب عن تقديرنا العميق لجهود فرق الإنقاذ. نشكر كل من لم يتراجع خلال تلك الأيام العصيبة، بمن فيهم أبطال الطاجيك الذين أصبحت تضحياتهم جزءاً من تاريخنا المشترك في الشجاعة.
ويجب علينا أن نبذل كل ما في وسعنا لضمان أن تبقى تشيرنوبيل رمزاً للذاكرة، وليست تهديداً متكرراً.
لأن الإنسانية ليس لها الحق في نسيان مثل هذه الدروس.
سفير أوكرانيا فوق العادة والمفوض لدى جمهورية طاجيكستان
فاليري إيفدوكيموف


































