عادت أوكرانيا مجدداً إلى دائرة اهتمام حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، بعد أن أدت الخلافات بين أوروبا والولايات المتحدة حول غرينلاند في مطلع العام إلى إبعاد الحرب عن جدول الأعمال وعن عناوين الأخبار. وعقب ما يُسمى بأزمة غرينلاند، أعاد الحلفاء القضية الأوكرانية إلى صدارة المناقشات، ووعدوا بتقديم أسلحة بقيمة 35 مليار دولار. إلا أن المدن الأوكرانية لا تزال مُهددة بسبب النقص الحاد في الصواريخ الاعتراضية.
كانت أوكرانيا محور سلسلة اجتماعات استمرت يومين في بروكسل: أولاً، اجتماع مجلس وزراء دفاع الاتحاد الأوروبي، تلاه اجتماع وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي، والذي تضمن اجتماعات مجلس حلف شمال الأطلسي وأوكرانيا ومجموعة الاتصال المعنية بالدفاع عن أوكرانيا (بصيغة "رامشتاين"). وتناولت جميع المناقشات الرئيسية تقريباً، بشكل مباشر أو غير مباشر، احتياجات كييف في ساحة المعركة وقضايا ضمان أمن أوكرانيا في المستقبل.
في ظل الخلافات الأخيرة عبر الأطلسي، بدت هذه الاجتماعات بمثابة عودة استعراضية لدعم أوكرانيا واحتواء روسيا، وأيضًا كرد فعل على حملة موسكو واسعة النطاق لتدمير البنية التحتية للطاقة الأوكرانية.
ألقى وزير الدفاع الأوكراني الجديد، ميخايلو فيدوروف، أولى محاضراته الرسمية في بروكسل. وعلى مدار يومين، عقد سلسلة من الاجتماعات الثنائية مع نظرائه الأوروبيين، لكنه لم يتحدث إلى الصحافة إلا مرة واحدة فقط، وذلك في مقر حلف شمال الأطلسي (الناتو) بعد اجتماع رامشتاين.
اتخذ المؤتمر الصحفي الختامي شكلاً غير مألوف: فقد انضم إلى فيدوروف وزيرا دفاع ألمانيا والمملكة المتحدة، اللذان ينسّقان عمل مجموعة الاتصال منذ عام، بالإضافة إلى الأمين العام لحلف الناتو مارك روته. ولم تكن مشاركته مصادفة، إذ يلعب الحلف الآن دوراً رائداً في تنسيق المساعدات العسكرية المقدمة عبر آلية رامشتاين، التي تضم أكثر من 50 دولة.
وصف مارك روته ميخايلو فيدوروف بأنه قائد "ثورة تكنولوجية" في مجال الدفاع، مؤكداً أن الفريق الأوكراني "في طليعة الابتكار العسكري". وأشار إلى أن أوكرانيا لا تقتصر على كونها متلقية للمساعدات ومدافعة عن أوروبا فحسب، بل هي أيضاً مصدر للحلول المبتكرة للحلف.
قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، مخاطباً فيدوروف، إنه أضفى لمسته الشخصية على الاجتماع الأول لمجموعة الاتصال، مُذكّراً بأنه يعرفه منذ عام 2024، حين كان فيدوروف رئيساً لوزارة التحول الرقمي الأوكرانية. وأكد أن النهج الدفاعي الأوكراني الجديد يقوم على البيانات والتكنولوجيا والتنفيذ السريع.
قدّم ميخايلو فيدوروف 18 مشروعًا دفاعيًا مُهيكلًا لعام 2026. وأوضح أن أوكرانيا لا تكتفي بتوسيع الإنتاج ونشر التكنولوجيا فحسب، بل تُقدّم أيضًا لشركائها استثمارات في حلول مُجرّبة في ساحات القتال تُغيّر الوضع على خطوط المواجهة. كما أعلن عن إصلاحات تهدف إلى تسريع وتيرة عمل وزارة الدفاع وزيادة فعاليتها، وأعلن عن وضع نموذج دفاعي جديد. وأضاف أن أوكرانيا تُقدّم لحلف الناتو بيانات آنية وخبرات دفاعية فريدة.
كما استشهد الوزير بإحصائيات الخسائر الروسية – 35 ألف قتيل وجريح مؤكد شهرياً – وذكر هدف زيادة هذا الرقم إلى 50 ألف شهرياً.
في غضون ذلك، لا تزال المدن الأوكرانية تتعرض لهجمات واسعة النطاق. ووفقًا لحلف الناتو، أطلقت روسيا نحو 55 ألف طائرة هجومية بدون طيار في عام 2025، أي ما يقارب خمسة أضعاف عددها في العام السابق. وقد تضاعف عدد الغارات الجوية باستخدام الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، فضلًا عن الطائرات المسيرة بعيدة المدى، في المناطق النائية من أوكرانيا. ويقدر ممثلو الحلف أن هذه الضربات تستهدف البنية التحتية المدنية للطاقة، وقطاع النقل، والمناطق السكنية.
أكد حلف شمال الأطلسي (الناتو) أن أوكرانيا تواجه حالة طوارئ حقيقية في مجال الدفاع الجوي. وبموجب آلية المشتريات الأمريكية (PURL)، تعهد حلفاء، من بينهم هولندا والمملكة المتحدة والنرويج والسويد، بتقديم مئات الملايين من اليورو لشراء أنظمة دفاع جوي وصواريخ، بالإضافة إلى أسلحة أخرى ذات أولوية. وعلى جميع المستويات، تم الإقرار بأن صواريخ PAC-3 الاعتراضية لأنظمة باتريوت لا تزال تشكل نقصاً حاداً.
صرح ميخائيل فيدوروف بوجود نقص حاد في هذه الصواريخ، مؤكداً أن نظام PAC-3 هو النظام الوحيد القادر على اعتراض الأهداف الباليستية بفعالية. وفي ليلة 12 فبراير، أطلقت روسيا ما لا يقل عن 24 صاروخاً باليستياً. وعقب ذلك، أعلن بوريس بيستوريوس أن ألمانيا مستعدة لتزويد أوكرانيا بخمسة صواريخ اعتراضية إضافية من طراز PAC-3، شريطة أن يقدم الحلفاء الآخرون 30 صاروخاً من هذا النوع من مخزوناتهم. وأشار إلى أن الأمر يتعلق بإنقاذ الأرواح، وأن بالإمكان حل هذه المسألة في غضون أيام.
عقب اجتماع مجموعة الاتصال، أُعلن عن التزام مشترك بتقديم 35 مليار دولار أمريكي كمساعدات عسكرية لأوكرانيا في عام 2026. وقد أعلن ذلك وزير الدفاع البريطاني جون هيلي ووزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، وأكده ميخايلو فيدوروف. ولم تُقدّم أي تفاصيل بشأن كيفية توزيع هذه الأموال.
أكد وزير الدفاع البريطاني جون هيلي أن أعضاء مجموعة الاتصال أكثر اتحاداً وعزماً من أي وقت مضى، معرباً عن التزامه بجعل عام 2026 عام نهاية الحرب. ووصف مارك روته الاجتماع الوزاري الحالي بأنه من أهم الاجتماعات في مشاركته في الحلف منذ عام 2010، مشدداً على أن أمن أوكرانيا مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن دول الناتو، وأن الحلفاء متحدون في دعم كييف والدفاع عن أراضي الحلف.
أظهرت اجتماعات بروكسل أن أوكرانيا لا تزال قضية مركزية بالنسبة لدول الناتو والاتحاد الأوروبي، حيث شملت المناقشات ليس فقط عمليات تسليم الأسلحة العاجلة ولكن أيضًا تشكيل بنية أمنية طويلة الأجل لأوروبا.


































