لم يكن يوم 24 فبراير/شباط 2022 مجرد تاريخ بالنسبة لأوكرانيا، بل كان نقطة تحول، حدثًا غيّر مجرى الحياة. بالنسبة لملايين الأشخاص، أصبحت الحرب روتينًا مرعبًا. من الصباح إلى المساء، من صفارة إنذار غارة جوية إلى أخرى، من مكالمة هاتفية مع العائلة إلى رسالة قصيرة تقول: "أنا على قيد الحياة".
في فبراير 2026، لم تعد هذه الحرب تُعتبر مجرد "عاصفة عابرة" يمكن تجاوزها. بل أصبحت اختبارًا للصمود، وللإنسانية، ولقدرة المجتمع على الصمود حين ينهار العالم المألوف. ولا تزال حربًا من حروب القرن الحادي والعشرين، حيث لا تقتصر جبهة القتال على الخنادق فحسب، بل تمتد لتشمل حياة الناس، والمدارس، والمستشفيات، ومحطات توليد الطاقة، والأحياء السكنية.
تعيش أوكرانيا اليوم في واقع يبدأ فيه كل صباح بانفجارات، حتى أن الصمت يبدو أحياناً وكأنه ترقب لهجوم. ولكن في هذا الواقع تحديداً، برز شيء يصعب قياسه: الصمود البشري.
لقد سلبتنا الحرب الكثير، خاصة خلال السنوات الأربع الماضية. لم يقتصر الأمر على المباني المدمرة والأحياء المحترقة فحسب، بل الأهم من ذلك كله، أرواح الناس ومصائرهم.
أصبح ملايين الأوكرانيين نازحين داخلياً أو لاجئين، مما يجعل هذه واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في العصر الحديث في أوروبا.
وبحسب المنظمة الدولية للهجرة، فإنه اعتبارًا من يناير 2026، كان هناك ما يقرب من 3.7 مليون نازح داخليًا في أوكرانيا.
تقوم وكالات الأمم المتحدة في الوقت نفسه بتسجيل ملايين الأوكرانيين الذين ما زالوا خارج البلاد كلاجئين، بينما في الاتحاد الأوروبي وحده، تم تسجيل 4.35 مليون شخص بموجب آلية الحماية المؤقتة اعتبارًا من 31 ديسمبر 2025.
حجم الأضرار الاقتصادية هائل أيضاً. فقد قدّر تقييم مشترك أجرته الحكومة الأوكرانية والبنك الدولي والمفوضية الأوروبية والأمم المتحدة احتياجات أوكرانيا للتعافي بنحو 524 مليار دولار أمريكي على مدى عشر سنوات (حتى 31 ديسمبر/كانون الأول 2024). ويشمل هذا الرقم المدارس المدمرة والمستشفيات المتضررة والمنازل المدمرة والطرق المقطوعة ونظام الطاقة المنهار.
لكن الحرب لا تُقاس بالأرقام فحسب، بل تُقاس بكيفية تغير حياة البشر. تعيش العائلات في توتر دائم. ينضج الأطفال أسرع لأنهم يُجبرون على فهم أشياء لا ينبغي لهم فهمها. ويتعلم آباؤهم تمييز أصوات لم تكن مألوفة لهم من قبل: أين يوجد صاروخ، وأين توجد طائرة مسيرة، وأين يكون الصوت "بعيدًا"، وأين يكون الصوت "قريبًا جدًا"، وأين يكون نشاط الدفاع الجوي، وأين يكون الصوت "قادمًا".
ومع ذلك، فإن ما يثير دهشة العالم اليوم يكمن تحديداً في الحياة الأوكرانية اليومية: فحتى في ظل الضربات الصاروخية، يظل الناس بشراً.
كثيراً ما تُناقش الحرب بلغة الإحصاءات والقانون والدبلوماسية. لكن ثمة لغة أخرى، لغة الحياة. ومن أقوى حججها: استمرار ولادة الأطفال في أوكرانيا خلال الحرب.
خلال السنوات الأربع الماضية، سُجّلت أكثر من 750 ألف ولادة في أوكرانيا. هذه الأرقام مهمة ليس فقط لعلماء السكان، بل إنها تعكس حرية الاختيار البشري. إنها تُشير إلى أنه حتى في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها العالم، لا تزال الأسر قادرة على بناء مستقبلها.
كل طفل يولد خلال هذه السنوات هو قصة آباء اختاروا مصيرهم. إنها قصة مستشفى ولادة يُجري عمليات الولادة أثناء القصف. إنها قصة أطباء لم يغادروا بلادهم قط. إنها قصة مدن بلا كهرباء بسبب هجمات على شبكة الكهرباء، لكنها لا تزال تنبض بدفء الأيدي البشرية.
نعم، معدل المواليد آخذ في الانخفاض، وهذا جزء من العبء الديموغرافي الإجمالي للحرب. لكن حقيقة ولادة مئات الآلاف من الأطفال الأوكرانيين خلال أربع سنوات دليلٌ قاطع على أن أوكرانيا لم تُكسر، ولم تُطمس، ولم تُجبر على الزوال.
وبالطبع، أصبح هذا ممكناً إلى حد كبير بفضل قوات الدفاع الأوكرانية.
بالنسبة للأوكرانيين، لم تعد القوات المسلحة مجرد فكرة مجردة أو مؤسسة حكومية. بل هم الأشخاص الذين حموا البلاد حرفياً عندما بدا العدو أقوى منهم في كل شيء.
روسيا قوة نووية تمتلك أحد أكبر الجيوش في العالم.
ومع ذلك، صمدت أوكرانيا. بل وبرزت قناعة في الوعي الوطني جديرة بالاعتراف: لقد "انتصرنا" عندما منعنا، في الأسابيع والأشهر الأولى من الحرب، العدو من الاستيلاء على العاصمة وأحبطنا خطة الكرملين للهجوم الخاطف. وبحلول أوائل أبريل/نيسان 2022، استعادت أوكرانيا السيطرة على منطقة كييف بأكملها.
لم تكن هذه، بالطبع، "نهاية الحرب"، لكنها كانت نقطة تحول. أدرك شعبنا أنهم حافظوا على البلاد ككيان حيّ، بجيش قوي، ونظام حكم فعّال، واقتصاد مزدهر، ودبلوماسية جادة، ومؤسسات حكومية واجتماعية حيوية أخرى. مع القدرة على المقاومة، بدلاً من الزوال في غضون أيام.
وهنا تبرز نقطةٌ ينبغي على أصدقائنا في طاجيكستان أن يفهموها. فبالنسبة للأوكرانيين، غالباً ما يكون الدافع وراء مشاركتهم في الدفاع عن وطنهم بسيطاً: حماية منازلهم، وعائلاتهم، وشوارعهم، ومدنهم. إنه دافعٌ يرافقهم طوال حياتهم.
في هذا السياق، يبرز بوضوح لجوء روسيا بشكل منهجي إلى زيادة التجنيد للحرب عبر الحوافز المالية والضغوط الإدارية. هذا لا ينفي الدوافع الشخصية للأفراد، ولكنه يُسلط الضوء على نموذج الدولة: الحرب يجب "شراؤها".
في الوقت نفسه، استغلت روسيا موارد سجونها. ففي عام 2023، أفادت وكالة رويترز بالعفو عن آلاف السجناء السابقين الذين قاتلوا مع شركة فاغنر العسكرية الخاصة، فضلاً عن التجنيد الجماعي للسجناء بوعد الحرية.
في يناير 2026، نقلت وكالة رويترز تصريحات تفيد بأن أكثر من 422 ألف شخص وقعوا عقودًا مع الجيش الروسي في عام 2025 وحده.
هذه الحقائق ضرورية لإظهار الفرق في الدوافع بصدق. أوكرانيا تدافع عن نفسها لأنها مسألة حياة أو موت. أما روسيا فتُجدد قواتها من خلال نظام من المدفوعات والعقود والمزايا واستغلال نقاط الضعف والإكراه.
ثمة تفصيل آخر مهم للجمهور الطاجيكي. فقد أثار المراقبون الدوليون والصحفيون الاستقصائيون مراراً وتكراراً قضية انجرار المهاجرين والأجانب إلى الحرب في صف المعتدي. ويشمل ذلك تقارير عن ضغوط تُمارس على العمال المهاجرين، وتجنيدهم عبر وعود بمنحهم الجنسية، أو التهديد بترحيلهم.
تؤثر هذه الحرب على المنطقة بشكل أوسع مما يبدو. ولذا، فإن الحديث عنها في طاجيكستان ليس أمراً "غريباً". إنها تتعلق بحياة البشر وحقهم في عدم التضحية بأنفسهم كأدوات في يد الآخرين.
الحرب لا تقتصر على الأرض والسماء فحسب، بل تمتد لتشمل عقول الناس. وهنا، أصبح الاختلاف بين نظرة الأوكرانيين والروس للحرب أحد أعمق الفجوات في عصرنا.
بالنسبة للأوكرانيين، الحرب مأساة شخصية. إنها تعني جنازات الأحبة، وتدمير المنازل، والإجلاء. إنه أمر يستحيل نسيانه، فضلاً عن مسامحته.
بالنسبة لملايين الروس، غالباً ما يتم تقديم الحرب على أنها نوع من "العمليات الخاصة"، حيث يُفترض أنها لا تتعلق بهجوم، بل بمهمة، وتقوم الدولة عمداً بإنشاء هذا الإطار تحديداً.
منذ بدء الغزو، سنّت روسيا قوانين قمعية تجرّم التغطية الإعلامية المستقلة للحرب وأي معلومات تخالف الرواية الرسمية. وقد وثّقت منظمة هيومن رايتس ووتش أن قوانين "الأخبار الكاذبة" و"تشويه سمعة" الجيش قد جرّمت فعلياً الحقيقة حول الحرب، وزادت من حدة اضطهاد الاحتجاجات المناهضة للحرب.
وأشارت منظمات حقوق الإنسان الأخرى إلى أن هذه اللوائح تنص على حدود زمنية صارمة، وتترك المجتمع فعلياً في مجال معلومات الدولة باعتباره "المجال الوحيد المسموح به".
هذه هي الآلية التي تبدأ من خلالها الأكاذيب بالعمل كسياسة دولة. ليس فقط كخطاب دعائي، بل كنظام يُعاقب فيه على قول الحقيقة، بينما يجلب الكذب المكافآت والقبول والإفلات من العقاب.
لماذا من المهم الحديث عن هذا؟ لأنه في ظل هذه الظروف، تصبح الحرب هي "الوضع الطبيعي" لمن لا يسمعون صفارات الإنذار. قد تتحول إلى صورة، أو قصة، أو "جيوسياسة" مجردة.
وعندما تصبح الحرب مجردة، يصبح من الأسهل إيجاد الأعذار، ومن الأسهل القول بأن "كل شيء معقد"، ومن الأسهل إلقاء اللوم على "الظروف"، ومن الأسهل الاستمرار.
لكن الواقع لا يرحم. فهو يعيد النقاش إلى أسئلة بسيطة: من عبر الحدود؟ من يطلق النار؟ من يدمر؟ من يجبر الناس على الفرار؟ من هو المعتدي؟ وهنا، يبرز القانون الدولي كمرجع أخلاقي على الأقل: لا يجوز تغيير الحدود بالقوة، ولا يمكن بناء السلام على مكافأة العدوان.
لهذا السبب تتحدث أوكرانيا عن سلام عادل. ليس سلاماً "بأي ثمن"، بل سلاماً يقضي على فكرة أن العنف مربح.
لكل بلد ذاكرته الخاصة، ومشاكله الخاصة، وحياته الخاصة. لكن هناك قيم إنسانية مشتركة يفهمها كل من ذاق مرارة الألم والفقد.
العالم مبني على القواعد. هذه القواعد ليست ضرورية للأقوياء، بل هي ضرورية للضعفاء في أوقات الخطر. إنها ضرورية للناس العاديين الذين يرغبون في تربية أطفالهم، والعمل، وبناء منازلهم، لا العيش في الملاجئ.
وهنا من المناسب بشكل خاص تذكير الناس بالتضامن. فعلى مدى السنوات الأربع الماضية، تلقى الأوكرانيون مساعدات بأشكال مختلفة: فقد استقبل بعضهم لاجئين، وقدم آخرون العلاج والتعليم والتأهيل، أو حتى مجرد كلمات طيبة.
نحن ممتنون لكل من ساعد الأوكرانيين، بغض النظر عن المسافة أو اللغة. ونحن ممتنون لحكومات وشعوب الدول الأخرى التي قدمت مساعدات عسكرية ومالية لأوكرانيا. في مثل هذه اللحظات، ندرك أن التعاطف الإنساني يتجاوز الحدود.
اليوم، لا تدافع أوكرانيا عن نفسها فحسب، بل تدافع عن مبادئها: لا يمكن تغيير الحدود بالقوة. يجب ألا نعتاد على العنف، فهو لن يؤدي إلا إلى تكراره. من المهم التمسك بمبادئ بسيطة: حياة الإنسان، وكرامته، والحقيقة، وحق الناس في العيش في ديارهم.
أوكرانيا صامدة وستبقى صامدة. لأن الحرب بالنسبة لنا ليست "سياسة"، بل مسألة حياة أو موت.
ولن يكون يوم 24 فبراير يومًا عاديًا للأوكرانيين أبدًا. لقد انقسمت حياة الكثيرين إلى "قبل" و"بعد". لقد فقدنا الكثيرين لدرجة لا يمكن نسيانها.
المجد لأوكرانيا!


































