في يونيو 2025، بلغ عدد مستخدمي الإنترنت في الصين ممن تبلغ أعمارهم 60 عامًا فأكثر 161 مليون مستخدم. بعبارة أخرى، يتمتع نصف كبار السن بإمكانية الوصول إلى الحياة الرقمية، مما لا يدل فقط على ازدياد شعبية التكنولوجيا في البلاد، بل يشير أيضًا إلى تغيير ملحوظ في أنماط حياة كبار السن.
بالنظر إلى البيانات، نجد أن هذا الرقم قد ازداد بنحو 19 ضعفاً خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. في عام 2010، كان عدد كبار السن في البلاد ممن لديهم خبرة في استخدام الإنترنت أقل من 10 ملايين.
بحسب "الكتاب الأزرق حول تعزيز الاستهلاك الرقمي عبر الإنترنت" الصادر عن مركز معلومات الشبكة الصيني عام 2024، بلغت نسبة التسوق الإلكتروني بين كبار السن من مستخدمي الإنترنت في الصين 69.8%. كما لوحظ أداء استهلاكي قوي في قطاعات الرعاية الصحية والترفيه والسياحة.
قبل عامين، انتقلت فان يينغ فانغ، البالغة من العمر 63 عامًا، من قرية في مقاطعة خنان (وسط الصين) إلى مدينة شيآن (مقاطعة شنشي، شمال غرب الصين) للمساعدة في تربية ابنتها. لكنّ الاختلاف بين حياة المدينة والقرية جعلها تشعر بعدم الارتياح. تقول: "كنت أقضي أيامًا دون أن أغادر المنزل، وكنت في حالة مزاجية سيئة، وكثيرًا ما كنت أنفعل على عائلتي، حتى أنني تمنيت العودة إلى القرية".
علّمتها ابنتها كيفية استخدام تطبيق وي تشات، ومشاهدة مقاطع الفيديو القصيرة على مواقع التواصل الاجتماعي، واستخدام نظام تحديد المواقع العالمي (GPS). والآن، لديها أكثر من 20 تطبيقًا مثبتًا على هاتفها، وتصلها رسائل جديدة باستمرار في مختلف المحادثات. وقالت: "كل يوم فيه ما يشغلني، وقد حسّن ذلك مزاجي بشكل ملحوظ".
أشار فان ييتشاو، الأستاذ المشارك في قسم علم الاجتماع بجامعة الصين المركزية للقوميات، إلى أن الإنترنت أصبح أداةً مهمةً لكبار السن في مكافحة الشعور بالوحدة والحفاظ على الروابط الاجتماعية. فإلى جانب توفير الراحة في الحياة اليومية، يساعدهم استخدام الإنترنت أيضاً على الشعور بأهميتهم.
أشار جين يونغ آي، الأستاذ في معهد علوم السكان والصحة بجامعة رنمين الصينية، إلى أن كبار السن يستخدمون وظائف التواصل والدفع الإلكتروني تقريبًا بنفس قدر استخدام الشباب. كما أن الفجوة بين الأجيال في استخدام التطبيقات الأخرى، مثل التسوق الإلكتروني وطلب سيارات الأجرة وحجز التذاكر، تتقلص باستمرار. وأضاف: "إن تنوع السلوكيات على الإنترنت ينفي الصورة النمطية القائلة بأن كبار السن لا يشاهدون سوى مقاطع الفيديو".
من الجدير بالذكر أن الترفيه الرقمي لم يعد حكرًا على الشباب، بل أصبح منصةً لكبار السن للتعبير عن أنفسهم وتجاوز الصور النمطية المرتبطة بالعمر. فبينما تُعتبر مشاهدة الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي بمثابة "الخطوة الأولى" لدخول الجيل الأكبر سنًا إلى العالم الرقمي، فإن إنشاء مقاطع فيديو قصيرة يُمثل انتقالهم من متلقين سلبيين للمعلومات إلى مُبدعين فاعلين للمحتوى.
وفقًا لدراسة استقصائية أجراها باحثون في جامعة بكين للمعلمين، من بين 2000 مستخدم للإنترنت تتراوح أعمارهم بين 55 و 83 عامًا، فإن أكثر من 75 بالمائة من المشاركين لديهم خبرة في إنشاء مقاطع فيديو قصيرة، وأكثر من 27 بالمائة ينشرون مثل هذا المحتوى بانتظام.
ومن الأمثلة البارزة على ذلك مجموعة الإنترنت للهواة "ثلاث بصلات خضراء". أعضاؤها الأساسيون ثلاثة قرويين تجاوزوا الستين من العمر من مقاطعة بوتشنغ (مقاطعة شنشي، شمال غرب الصين). بعد أن عملوا طوال حياتهم في الأرض، لم يكن ليخطر ببالهم قط أنهم سيصبحون مشاهير على الإنترنت في شيخوختهم.
وقد حصدت مقاطع الفيديو القصيرة التي ينشرونها، والتي تم تصويرها في بيئات واقعية يومية وبأسلوب بسيط ومباشر، ما مجموعه 15 مليار مشاهدة عبر جميع منصات التواصل الاجتماعي في البلاد.
"لم أكن أعتقد أبداً أن الحياة يمكن أن تكون بهذه الروعة!" هكذا عبّر عضو الفريق لو وانرونغ، مضيفاً أن تصوير محتوى الفيديو ساهم أيضاً في تطوير الصناعات ذات الصلة في القرية.
"تتميز منصات الفيديو القصيرة بمتطلبات منخفضة لمحتوى الفيديو، وسهولة الإدارة، وسهولة التوزيع، وتجمع بين الترفيه والوظائف الاجتماعية"، كما قالت وانغ ليلي، وهي باحثة رائدة في مركز أبحاث الشيخوخة الصيني.
من وجهة نظرها، فإن هذا التعبير عن الذات يكسر الصورة النمطية لكبار السن الصامتين والسلبيين، مما يمنحهم مساحة جديدة للتعبير والثقة بالنفس.
تجدر الإشارة إلى أن الصين نفذت في السنوات الأخيرة سلسلة من السياسات التي تهدف إلى بناء مجتمع ذكي يأخذ في الاعتبار احتياجات كبار السن ويعزز الخدمات الذكية المصممة خصيصًا لهم، وذلك لتحسين المعرفة الرقمية والوعي بالأمن السيبراني بين كبار السن.
بحلول نهاية عام 2024، تمّ تكييف أكثر من 3000 موقع إلكتروني وتطبيق مرتبط ارتباطًا وثيقًا بحياة كبار السن وذوي الإعاقة لتلبية احتياجاتهم وتسهيل الوصول إليها. كما أطلقت شركات الاتصالات الأساسية خطوطًا ساخنة مخصصة لكبار السن، موفرةً ما يقارب 650 مليون خدمة.
يعتقد العديد من الخبراء أن كبار السن في العالم الرقمي لم يعودوا مجرد كائنات تُعرّف أو تُعتنى بها. بل إن بعضهم أصبحوا صناع محتوى، يشاركون قصصهم ويكتسبون التقدير والاحترام من الآخرين، مما له آثار إيجابية على الصحة النفسية في مراحل لاحقة من العمر.
من غرباء عن العالم الرقمي إلى مستخدمين نشطين، بات العالم الرقمي يستحوذ على اهتمام كبار السن. فبالنسبة لـ 161 مليون مسن في الصين، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة، بل أصبحت مصدراً لفرص جديدة تُثري حياتهم اليومية بالراحة والثراء والحيوية.
بفضل التكيف المنهجي للخدمات وتطوير المعرفة الرقمية، في المستقبل، سيمحو المزيد والمزيد من الأشخاص من "العصر الفضي" في الصين حدود الفجوة الرقمية ويدخلون العصر الرقمي بثقة.



































