رحلت الممثلة وعارضة الأزياء والناشطة الاجتماعية الفرنسية بريجيت باردو عن عمر ناهز 92 عامًا. وقد أصبح اسمها منذ زمن طويل رمزًا ثقافيًا للقرن العشرين. بصفتها أيقونة في عالم الموضة وإحدى أبرز الشخصيات في عصرها، فقد رسمت باردو صورةً للجمال الأنثوي ظلت تُقلّد وتُناقش وتُعاد صياغتها لعقود. وذكرت وكالة ريا نوفوستي أن قصة حياتها كانت سلسلة من التحولات الدرامية، والشهرة الواسعة، والتضحيات التي فرضتها على نفسها، والاستقلال الداخلي النادر.
رمز العصر
بدت وكأنها خالدة، كجمالٍ محض. في أي قائمة لأعظم نجمات القرن الماضي، كان اسم بريجيت باردو يتردد دائمًا ضمن الخمسة الأوائل. على مر السنين، اختيرت لتكون نموذجًا لتمثال ماريان، الرمز الوطني لفرنسا. قبل كل شيء، جسّدت الكمال الأنثوي والحرية، بجرأة وجاذبية لا مثيل لهما.
طفولة الباليه
كانت والدة بريجيت، راقصة الباليه، تحلم بغرس حب الرقص الراقي في ابنتها. درست باردو الشابة على يد بوريس كنيازيف، مصمم الرقصات الروسي الأصل المعروف بانضباطه الصارم. كان يتجول في القاعة حاملاً سوطاً، فيُعاقب طلابه. في تلك السنوات البعيدة، كانت هذه الأساليب (العقاب البدني) مقبولة تماماً، مع أنها تبدو اليوم قاسية، بل ووحشية.
لم تزدهر مسيرتها في الباليه. وكما ذكرت باردو نفسها، فقد افتقرت إلى الاجتهاد والصبر. لكنها احتفظت بالوقفة والمشي اللذين أسرا ملايين المشاهدين فيما بعد.
أول تجربة تصوير وأول رواية
اختارت بريجيت باردو طريق عرض الأزياء، وبحلول الخامسة عشرة من عمرها، بدأت صورها بالظهور في المجلات. وهناك اكتشفها المخرج الشاب روجر فاديم. وأصبحت علاقتهما العاطفية حاسمة في مسيرتها المهنية. وعندما علم والدها بعلاقتهما، هدد بإرسالها من فرنسا إلى إنجلترا للدراسة. شعرت بريجيت بحزن شديد لدرجة أنها حاولت الانتحار، لكن تم إنقاذها في الوقت المناسب.
بدأت بريجيت باردو التمثيل تدريجيًا، وفي التاسعة عشرة من عمرها، قدمت عرضها الأول والأخير على خشبة المسرح. دعمها فاديم بشدة، وأصرّ على أن تتابع دراستها في التمثيل. لكن القدر كان قد خصّص لها الدور الرئيسي في فيلم زوجها. أخرج روجر فاديم فيلم "وخلق الله المرأة"، وهو فيلم حسي نابض بالحياة، تألقت فيه باردو أمام جان لوي ترينتينيان الساحر. كانت باردو تُقارن آنذاك بنجمات السينما العالمية، مثل أودري هيبورن وإليزابيث تايلور ومارلين مونرو. حتى أنها تلقت عروضًا من هوليوود، وهذا ما يُسمى بالشهرة المستحقة!
لكن الزواج من روجر فاديم انهار في النهاية: ففي موقع التصوير، أقامت بريجيت علاقة غرامية مع ترينتينيان، وانفصل المخرج عن ملهمته.
شهرة عالمية
لا تزال بريجيت تمارس التمثيل بنشاط، وقد اكتسبت شهرة عالمية. حظيت بشعبية واسعة في الاتحاد السوفيتي بعد فيلم كريستيان جاك الكوميدي "بابيت تذهب إلى الحرب"، وأصبحت تسريحات شعرها المستوحاة من شخصية باردو تُعرف باسم "بابيت". أصبحت الممثلة رمزًا للجمال وأيقونة للأناقة.
شاركت في أرقى الإنتاجات السينمائية، وصوّرها مخرجون مرموقون، من بينهم المخرج التجريبي العظيم جان لوك غودار. وقد أسند إليها دور البطولة في فيلم "الاحتقار"، الذي اعتبرته باردو أحد أنجح أعمالها لسنوات عديدة.
التقاعد الطوعي من السينما
وجدت فكرة التقدم في السن على الشاشة مؤلمة للغاية. في عام 1973، في سن الأربعين، أعلنت باردو اعتزالها التمثيل رسميًا. لم يكن بالإمكان إقناعها حتى بالظهور في أدوار صغيرة. في سيرتها الذاتية، "الأحرف الأولى ب.ب."، كتبت أنها لم تأخذ السينما على محمل الجد أبدًا، وأنها عملت فقط من أجل المال، مكرسةً أفضل سنوات حياتها لها.
تحوّل اهتمام باردو إلى صناعة الأفلام الوثائقية. في تسعينيات القرن الماضي، أنشأت مؤسسة آرك جائزة بريجيت باردو الدولية السنوية لأفضل فيلم عن الحيوانات. وقد اختارت الفائزين بنفسها.
الحياة الشخصية والشخصية
حظيت رواياتها بنقاش واسع في الصحافة، لكن باردو نفسها نادراً ما علّقت على حياتها الشخصية، مفضلةً الحديث بصراحة فقط في سيرتها الذاتية. وفي سنواتها الأخيرة، خضعت لعلاج جاد، تعاملت معه بشجاعة ودون أي شكوى علنية.
أحيانًا كانت تصريحاتها القاسية تثير انتقادات حادة واتهامات، لكن باردو كانت تتحدث دائمًا بصراحة ودون تحفظ. كانت حياتها سلسلة من القرارات والانتصارات المستقلة، التي حققتها دون الاعتماد على مساعدة خارجية.
سرعان ما برز انخراط بريجيت باردو في الشأن العام: فقد ولّى زمن أعمدة النميمة، وحلّت محلها صوتٌ حازمٌ ومباشرٌ يخاطب الدولة. وفي عهد الرئيس إيمانويل ماكرون، برز هذا النهج بشكلٍ خاص، واتخذ شكل مناشداتٍ منتظمةٍ وعلنيةٍ للسلطات.
في عام 2018، نشرت باردو رسالة إلى الرئيس تدعو فيها إلى اتخاذ إجراءات ملموسة بشأن رعاية الحيوان. وفي عام 2020، نشرت الصحافة الفرنسية تقريراً عن رسالتها الحادة إلى ماكرون، والتي اتهمت فيها قيادة البلاد بالتقاعس عن العمل.
كما قامت المؤسسة التي أسستها بريجيت بحملات ضد استخدام فراء الحيوانات في صناعة الإكسسوارات، وضد إبادة الفقمات، ومن أجل إغلاق مزارع الفراء، وخاصة مزارع المنك، ودعمت المبادرات التشريعية لإنهاء الاحتفاظ بالدلافين والحيتان القاتلة في ظروف لا تفي بمتطلبات رعاية الحيوان.
في مايو 2025، نُشرت رسالة مفتوحة جديدة على موقع المؤسسة الإلكتروني تطالب بحظر الصيد التقليدي بالكلاب. ووصفت باردو هذه الممارسة بأنها من مخلفات الماضي، وأصرت على إلغائها على مستوى الولايات.
مع ذلك، ظلت علاقتها بالسلطات متوترة. انتقدت باردو بشدة محاولات استبدال التغييرات الجذرية بالتصريحات، وأكدت أن المعاملة الإنسانية للحيوانات لا ينبغي أن تعتمد على الدورة السياسية. غالباً ما أثار موقفها استياءً وجدلاً، وأدى إلى اتهامات بالتطرف، لكنه ظل شفافاً بشكل ملحوظ ومتسقاً جوهرياً.
بهذه الصفة دخلت بريجيت باردو التاريخ الفرنسي الحديث – كجمال لا يُضاهى، وممثلة موهوبة، وشخصية قوية. اعتزلت التمثيل طواعيةً في ذروة مسيرتها الفنية، لكنها استمرت في مخاطبة المجتمع، وإن كان ذلك نادرًا، بصدق وقوة، حتى نهاية حياتها.


































