أظهرت دراسة غذائية جديدة أجرتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن العامل الرئيسي وراء السمنة في الدول المتقدمة هو زيادة استهلاك السعرات الحرارية، وليس انخفاض النشاط البدني، كما كان يُعتقد سابقًا. وتُخالف هذه النتائج، المنشورة في المجلة العلمية المرموقة "وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم" ، الاعتقاد السائد بأن نمط الحياة الخامل هو السبب الرئيسي لانتشار السمنة.
"الأسباب غير الواضحة للسمنة في الدول الغنية"
على الرغم من عقود من البحث، لا تزال الأسباب الدقيقة لارتفاع معدلات السمنة في الدول الصناعية غامضة. ولا تزال العلاقة بين النظام الغذائي والنشاط البدني موضع جدل، كما أشار هيرمان بونتزر، أستاذ الأنثروبولوجيا التطورية والصحة العالمية في جامعة ديوك وأحد مؤلفي الدراسة. وأكد أن قاعدة بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية أتاحت للجهود العالمية اختبار فرضيات جديدة وتقليل الشكوك في هذا المجال، الذي لا يزال يُمثل مصدر قلق كبير على الصحة العامة.
مشكلة عالمية واسعة النطاق
بحسب الباحثين، كان ما يقرب من واحد من كل ثمانية أشخاص على وجه الأرض يعاني من السمنة في عام 2022. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، تضاعفت معدلات السمنة بين البالغين، وتضاعفت أربع مرات بين المراهقين.
السمنة حالة مزمنة معقدة تتميز بتراكم مفرط للأنسجة الدهنية في الجسم. وهي تزيد من خطر الإصابة بالعديد من الأمراض غير المعدية، بما في ذلك داء السكري وأمراض القلب والأوعية الدموية وبعض أنواع السرطان.
من المثير للاهتمام أن السمنة شبه معدومة في المجتمعات التقليدية والزراعية. وكان يُعزى ذلك سابقًا إلى النشاط البدني المرتفع لسكان هذه المناطق، إلا أن دراسة جديدة تُشكك في هذه النظرية.
تناول السعرات الحرارية مقابل النشاط البدني
تنتج السمنة عن اختلال التوازن بين استهلاك الطاقة واستهلاكها. وقد حدد الخبراء سببين رئيسيين: الإفراط في تناول الطعام وقلة النشاط البدني. ومع ذلك، فقد اكتُشف أن انخفاض مستويات النشاط البدني لا يؤثر دائمًا بشكل مباشر على إجمالي استهلاك الطاقة اليومي.
في السابق، كان العلماء يفتقرون إلى بيانات متنوعة وموثوقة حول استهلاك السعرات الحرارية الغذائية، واستهلاك الطاقة، وتركيب الجسم. أُجريت معظم الدراسات على سكان غير صناعيين، ولم تتضمن قياسات لنسبة الدهون في الجسم. علاوة على ذلك، غالبًا ما كانت المعلومات المتعلقة باستهلاك الغذاء تُجمع فقط من خلال المسوحات والبيانات الإحصائية العامة.
طريقة المياه ذات العلامة المزدوجة وقاعدة البيانات العالمية للوكالة الدولية للطاقة الذرية
لسد هذه الثغرات في البيانات، استخدم 68 باحثًا قاعدة بيانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية العالمية للمياه ذات التصنيف المزدوج ، وهي أداة فريدة لقياس استهلاك الطاقة البشرية باستخدام النظائر المستقرة. تحتوي قاعدة البيانات على بيانات عن 45 دولة وفئات سكانية مختلفة. وقد استُخدم هذا المورد سابقًا في دراسات استقلاب الطاقة ومراجعة معايير التغذية البشرية.
كيف أجريت الدراسة
قام العلماء بتحليل اللياقة البدنية لـ 4213 بالغًا تتراوح أعمارهم بين 18 و60 عامًا في ست قارات، ينتمون إلى 34 فئة سكانية ذات ظروف اقتصادية وأنماط حياة متباينة. أظهرت النتائج أنه حتى في الدول الصناعية، يُظهر الناس استهلاكًا مرتفعًا للطاقة، سواءً فيما يتعلق بالنشاط البدني أو بشكل عام.
وتبين أن العامل الرئيسي المساهم في الإصابة بالسمنة هو الإفراط في تناول السعرات الحرارية ، والذي قام الباحثون بتقييمه على أساس قياسات إجمالي الإنفاق على الطاقة والتغيرات في وزن الجسم.
الآثار المترتبة على الرعاية الصحية
أوضحت كورنيليا ليشل، رئيسة قسم أبحاث التغذية والصحة في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن "هذه النتائج تُقدم للخبراء رؤى جديدة حول أهمية التغذية في مكافحة السمنة". وأشارت إلى أن السياسات الرامية إلى تحسين جودة النظام الغذائي وتقليل استهلاك الأطعمة عالية السعرات الحرارية والأطعمة فائقة المعالجة من المرجح أن تكون أكثر فعالية من مجرد تشجيع النشاط البدني .
ويؤكد الخبراء أن مثل هذه التدابير ستكون ذات أهمية خاصة بالنسبة للدول ذات المستوى المرتفع من التنمية الاقتصادية، حيث يكون الوصول إلى الأطعمة ذات السعرات الحرارية العالية والأطعمة المصنعة متاحا على نطاق واسع.
الآفاق
تفتح دراسة الوكالة الدولية للطاقة الذرية آفاقًا جديدة لتطوير استراتيجيات عالمية لمكافحة السمنة. وتُظهر أن النظام الغذائي، وليس النشاط البدني فقط، ينبغي أن يكون محور الاهتمام الرئيسي. وبشكل أعم، تُبرز النتائج أهمية اتباع نهج شامل لقضايا الصحة العامة وصنع سياسات قائمة على الأدلة.


































